تمجيد الصورة يصنع مجتمعا من عبيد

لماذا ترغمنا هذه البلاد على أن نمجّد الصور للدرجة التي يصير فيها أصحابها هم البلاد، ينحاز الأطراف لصفّهم وتموج عواطفهم ما أن يُقذف أحدهم بنقدٍ غالباً ما يكون سطحياً وبسيطاً، أكثر مما تثيرُهم شتيمة حلّت كالصاعقة على رأس البلد؟ ربّما لهذا السبب تتسرّب البلاد من بين أصابعنا، نستيقظ في غالب الوقت على خبر اقتطاع جزء منها.. مصادرة أرض.. هدم بيت.. تشتيت شمل عائلة.. إقبال متجر أو مصدر رزق.. مداهمة مدرسة.. اقتحام مشفى.. نحيب قلبين افترقا بسبب الهويّة.. سرقة مالٍ بعد اعتقال صاحبه.. دفع غرامة بمبلغ وقدره للإفراج عن أسير أو أسيرة واستشهادِ الذين ظلّ الوطن كعبتهم التي يطوفون بكامل جوارحهم حولها وينفقون أعمارهم ليشتروه.. هكذا شيئاً فشيئاً تسقط أحقيتنا بها.

في نقاش عابرٍ دار بيني وبين أصدقائي، كنا نتساءل حول ما إن كانت الأصنام أيام الجاهلية عبارة عن مجسّمات للأجسام كاملة أم يمكن اعتبار التماثيل المنحوتة لوجه ما أو نصف جسد أصناما هي الأخرى. لم يطل النقاش الذي لم نصل فيه إلى إجابة مقنعة، وبقيت أفكّر بعدها كيف أننا الآن نُقابل "اللات"، "العزّة" و"هُبل"، وآلهة كـ "أثينا"، "زيوس"، "أرتميس" و"بولو". وما هم بالنهاية إلا "أريس" لكنّهم يشبهوننا بالشكل والحجم، يسحبُون هواءنا إلى رئتيهم، ويشربون ماءَنا ثم يصنعون من دمائنا سجّادتهم الحمراء التي يصعدون من خلالها إلى منصّتهم ليمجّدوا صمودنا باسم الوطن.. يهتف المنساقون خلفهم فلتحيوا.. هم يحيون ويموتُ الوطن.

وهكذا نعود إلى عصر العبودية، لكن الفرق في عصرنا هذا أن العبيد هم التابعون الذين رفضوا أن يرفعوا رؤوسهم إلى الأعلى قليلاً خوفاً من أن يروا المفتاح الذي يُخرجهم من قوقعتهم،.

ومن المؤسف حقاً، أن يصير التمجيد سبباً في امتلاء الجيب بما يوفّر للشخص وعائلته لقمة العيش، وهنا يختلف مفهوم اللقمة من شخص لآخر، فقد تكون قوتاً يجمع أسرة كاملة حول سفرة طعامٍ تجعلهم ينامون ليلاً دون أن يؤرقهم صوت صرير بطونهم. وبين كل الكماليات التي تأتي تِباعاً مع إثبات مدى تابعيتك لآلهتك من الساسة أو أصحاب السلطة ورؤوس الأموال، وتتسع بذلك الفجوة في المجتمع بين طبقة وأخرى، فيصير الأول منصاعاً خوفاً من أن يفقد ما استملكه. ونجد الآخر ينساق وراء هدف واحد أعماه عن كل الأحداث التي تحصل حوله، أن يُسكت جوعه، لأن الشعب إذا جاع أو شعر بمطرقة تفتت أحلامه وحقوقه.. أكل الدستور، الأخلاق، الشرعية وحتى الدين – كما يأكل الصدأ الحديد –  ليشبع.

وهكذا نعود إلى عصر العبودية، لكن الفرق في عصرنا هذا أن العبيد هم التابعون الذين رفضوا أن يرفعوا رؤوسهم إلى الأعلى قليلاً خوفاً من أن يروا المفتاح الذي يُخرجهم من قوقعتهم، وقد تراهم أسياداً على جماعةٍ ما، يرتدون ربطة عنق ويقودون سيارة باهظة الثمن، ووراءهم حاشية كبيرة، لكنّهم هكذا يصبحون عبيداً يقودون عبيداً آخرين.

ومع ازدياد عدد العبيد هنا، في كل ليلة حينما تضيء السماء فانوسها المستدير، ويطفئ العالم أنوار الشبابيك في العمارات الشاهقة أو البيوت المنبسطة، أدور حول نفسي مراراً وتكراراً في محاولة لإيجاد إجابة منطقية لما أفكّر به كثيراً.. كيف ينامُ الذين باعوا مبادئهم في سوق الطاعة؟ ما الذي يدفعهم إلى الاستيقاظ صباحاً؟ وكيف يروون بهدوء معلّقات انتصاراتهم الزائفة وهم ينظرون في عيون أبنائهم مباشرة؟ أبنائهم الذين يبحثون فيهم عن أبطال كالذين يسمعون عنهم في الأساطير، بعد أن يقتصوا لقمة العيش من أفواه أطفال الغير ليضعوها في فم الذين من صلبهم!
 
هذه الأفكار المتضاربة تقودني إلى شيء واحدٍ، أننا الشعب الذي لا ينفك عن كونه يطالب بحقه في الحرية، هو نفسه المُحتل للصورة كُلّيا.. مُحتل من الداخل، تقيدنا المجموعات التي ننضم لها تماشياً مع التيار، لتخلق منا نسخة طبق الأصل عن فلان وفلانة. إننا حزمة أقلام في علبة تلوين، رؤوسنا تحمل الأفكار نفسها، لكنّنا بشرتنا متفاوتة وملامح مختلفة، فلا يفكّر أينا في أن يضيف شيئاً جديداً قد يعارض أهداف الجماعة الهشة.. ولا أقصد بهذا جماعة محدّدة، لأنهم كثر في هذه البلاد، وكلّهم في نزاعاتنا الداخلية يمجّدون صوراً وشعارات وهمية، ويظلون هكذا منقادين وعاجزين عن أن يصبحوا للشعب قادة حقيقيين.



حول هذه القصة

ترجم هنري ثورو رفضه لحكومته الاتحادية والعبودية التي تمارسها برفضه دفع الضريبة، الأمر الذي اعتبره ثورو عصيانا مدنيا، ولكن المنظرة آرندت كان لها فهم آخر، فما الذي يعنيه العصيان حقا؟

20/9/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة