هل نحتاج حقا لمنظومة أمن سيبراني؟

blogs لابتوب

تخيَل أنك تقود سيارتك الحديثة موديل 2025 إلى عملك وأنت سعيد بما وصلت إليه من نجاح وفجأة تفقد التحكم بالمقوَد والفرامل لتزداد سرعتك إلى الحد القاتل ثم يتحول المشهد إلى حادث تراجيدي أليم (لا سمح الله) لكن لا تقلق وارقد بسلام فلن يتم تحرير مخالفة بحقك ولن ترى ما حدث لسيارتك الجميلة بعد أن تعبَّأتْ بشاحنة ضخمة من الخلف وسيتم تسجيل واقعة الوفاة بحادث سير سببه أنك كنت تقود بسرعة كبيرة تحت تأثير الكحول أو غيره.. (أغلقت القضية).

ماذا لو كان ذاك الحادث هو عملية اغتيال مدبرة من قراصنة اخترقوا سيارتك فمن سيكتشف هذا الأمر؟! آسف لا يوجد لدي إجابة دقيقة لكن أعتقد أن اكتشاف الحقيقة سيكون معقداً جداً وكلفته المادية ستكون باهظة الثمن، بينما لو كنت تمتلك في جهاز هاتفك او سيارتك برنامج أو روبوت لحمايتك من الاختراق السيبراني يشرف عليه أشخاص يتحلون (بالنزاهة والخلق الرفيع) لما وقع الحادث أصلا وكانوا سيعترضون عملية القرصنة قبل وقوعها.

لعل هذا المثال بما فيه من تشاؤم سيساعدك في تقّبل فكرة وجود مؤسسات وقوانين حكومية ودولية "متخصصة ونزيهة" في الأمن السيبراني (الإلكتروني) تتولى مهام حماية المواطنين من هجمات قراصنة الانترنت وما ينتج عنها مثل الابتزاز أو السيطرة على الممتلكات أو حتى تهديد حيواتهم وأسرارهم الشخصية وحرياتهم وأعراضهم! نعم نعم أعراضهم هناك بعض من جرائم الشرف وحالات طلاق حدثت عند الغضب واكتشف اصحابها فيما بعد أن هواتفهم أو حواسبيهم قد اختُرقت وتمت قرصنة صورهم ورسائلهم أو زرعت فيها معلومات وصور ملفقة عن أزواجهم لتدمير حياتهم العائلية كل هذا صديقي القارئ وما يزال علم القرصنة كأنه جنين حديث الولادة فما بالك بالذي سيحدث عندما يصبح طفلاً عمره 10 سنوات؟

"إذا لم تصلك الفكرة بعد سأعطيك مثال آخر" كيف يُسمح لشركة برمجيات إسرائيلية؟! أن تبيع برامج تجسس متخصصة مثل برنامج (Pegasus) لدول وحكومات أخرى لاستخدامها ضد المدنيين أو مراقبتهم أو حتى المساعدة في اغتيالهم؟" اعتقد أنك توافقني الرأي أن هذا الأمر لا يقل خطورة عن تمويل وبيع الأسلحة للإرهابين.

نحتاج إلى ثورة سيبرانية لكنها ليست كأي ثورة أخرى إنها ثورة ضد شركات البرمجيات العالمية المتحكمة بخصوصية المستخدمين وضد الشركات المنتجة لبرامج تهدد خصوصية الأفراد والدول على حدٍ سواء

قد يقول أحدهم إن برامج مكافحة القرصنة وهجمات الفيروسات متوفرة بكثرة وستفي بالغرض بشرط أن يكون المستخدم حذرا ويجيد التعامل مع البرمجيات، سوف أقول نعم هذا صحيح لكن حتى برمجيات مكافحة القرصنة والفيروسات لا يوجد عليها رقيب فما أدراك أنهم لا يتجسسون عليك أصلاً من خلالها وستصبح عرضة لابتزازهم يوما ما؟ مع أنّ هذا الابتزاز قد بدأ فعلياً فبعض برامج الفيروسات كانت كلفتها السنوية 30 دولار وأصبحت الآن تزيد عن 75 دولار للحاسوب الواحد ولو كنت ممن لديهم وسواس ضد القرصنة فستشتري أكثر من برنامج بحزمة واحدة مما يزيد الكلفة إلى 150 دولار سنويا وكلها لن تجدي نفعا أمام قراصنة محترفين خصوصا لو كنتَ ممن يعشقون استخدام برامج كسر البروكسي (VPN) لفتح المواقع المحجوبة والدخول إلى الإنترنت المظلم أو لاستخدام برامج الاتصالات عبر الواي فاي.

وهنا لا بد من توفر قوانين ناظمة تجرّم أعمال القرصنة من جهة وقوانين جديدة من جهة أخرى لتنظيم عمل شركات البرمجة وقطاع صناعة البرمجيات المختلفة لوقاية المواطنين من انتهاكات القراصنة وهجماتهم بما يواكب العصر أي أن ضرورة الأمن السيبراني أصبحت حتمية وتتناسب طردا مع تطور علم القرصنة والذي أصبح نموه شبه يومي وليس أمامنا سوى خيارين:

الخيار الأول: أن نوافق على إنشاء مؤسسات تنظّم وتدعم قوانين الأمن السيبراني وتنشر ثقافتها بين الناس.

الخيار الثاني: نذهب فورا إلى شركة الاتصالات ونلغي اشتراك الإنترنت ونعود إلى أيام "روبنسون كروزو" على تلك الجزيرة.

من جهتي أُفضّل الخيار الأول إن توافرت النزاهة واحترام الحرية الشخصية بدلا من تسليم خصوصيتي رغماً عنّي للشركات العالمية التي تتصارع وتشن حروبا فيما بينها للحصول على بيانات المستخدمين واختراق خصوصياتهم دون وازع من ضمير فيما عدا بعض الاعتذارات الواهية التي نسمعها بين الفينة والأخرى من "مارك زوكربيرغ" أو غيره الذين باتوا يمثلون دور الفرعون المتحكم بمصائرنا أمّا نحن فتوهمنا أنّ هؤلاء هم نبراسٌ للحرية والأمانة وأنهم حريصون على خصوصيتنا لكن الحقيقة أنهم ثلة من المرتزقة المتعيشين على القرصنة وإيذاء المستخدمين يعشقون بث الإشاعات والتربح منها والترويج لكل ما هو قبيح على أنه آخرُ ما توصلت إليه الحضارة الإنسانية من تطور.

 

ويتاجرون بصور اللاجئين والمنكوبين في كل مكان طلبا لزيادة الزوار وتفاعلهم بينما يمنعون الشعوب من الدفاع عن حقوقها المشروعة على الإنترنت مثل الشعب الفلسطيني (بحجة مخالفة قوانين النشر!) عبارةٌ فيها مصادرة لآراء الآخرين وازدواجية كامنة في التفاصيل، فلا يحق مثلاً لمواطن فلسطيني نشر مقال قد يهدد أمن الاحتلال الإسرائيلي من وجهة نظرهم! لكنه يسمحون لعناصر الموساد وغيرهم من المنظمات الصهيونية بالتغلغل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ونشر سموم الفتنة أو جمع المعلومات أو التجسس على المستخدمين دون إذنهم أو حتى توجيه الرأي العام لتلميع صورة شخص ما حتى يصبح زعيم دولة كبرى محتمياً بالذباب الإلكتروني!

كل ذلك يجعلنا نحتاج إلى ثورة سيبرانية لكنها ليست كأي ثورة أخرى إنها ثورة ضد شركات البرمجيات العالمية المتحكمة بخصوصية المستخدمين وضد الشركات المنتجة لبرامج تهدد خصوصية الأفراد والدول على حدٍ سواء دون وجه حق مثل (Pegasus) وغيره ولن يتم هذا الأمر إن لم ننادي بإنشاء منظمة دولية تشبه المنظمات المتفرعة عن الأمم المتحدة توقع فيها كل دول العالم على اتفاقية دولية ملزمة ولا تقل أهميةً عن اتفاقية جنيف لكنها تتماشي مع روح العصر الحالي والمستقبل وتختص بكل جرائم الفضاء السيبراني ابتداءً بتجريم اختراق الخصوصية ومروراً (بالإرهاب) وانتهاءً بتجريم سرقة المحتوى الإلكتروني "المقروء والمسموع والمرئي" وكل دولة لا توقع على هذا الاتفاق تعتبر دولة مارقة وتستحق العقوبات مثلها مثل أي دولة تمتلك أسلحة غير مشروعة أو محرمة دولياً كما في العالم الحقيقي وآمل أن نرى تحقق هذا الأمر في المستقبل القريب.