ما الفرق بين السترات الصفراء في الغرب والسترات الحمراء عند العرب؟

blogs السترات الصفراء

شهدت الجمهورية الفرنسية منذ نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني إلى يومنا الحالي عدد من الاحتجاجات العنيفة التي لم تعرفها منذ سنوات طويلة حتى قبل الفترات السابقة لحكم ماكرون، جاءت هذه الاحتجاجات في سياق ما يعرف "بالسترات الصفراء" ضد قرارات الرئيس برفع ضريبة الوقود وغلاء تكاليف المعيشة وغيرها من المطالب، وقد عبر عنها الشعب الفرنسي من خلال خروج قرابة 136 ألف متظاهر إلى شوارع فرنسا وذلك يوم السبت الماضي وتم اعتقال قرابة 1200 شخص على خلفية هذه الاحتجاجات وبعض التجاوزات الأمنية التي عرفتها العديد من المقاطعات الفرنسية.

عبارة "السترات الصفراء" تشير إلى كتلة بشرية غير مسيسة وغير حزبية تمثل الطبقات الاجتماعية المهمشة وذات الأجر المحدود، لطالما ارتبط اللون الأصفر بحالة الطوارئ والاضطرابات، ففي مصر مثلا وبعد مجزرة رابعة العدوية تم رفع شعار الإخوان المسلمين، ذلك الشعار الأصفر الذي يتوسطه أربعة أصابع للدلالة على مجزرة فض ميدان رابعة العدوية، قد يكون اللون الأصفر دلالة مشتركة بين الاحتجاجات الفرنسية والمصرية لكن ماذا يختلف بين مظاهر وأشكال الاحتجاجات ومطالب التغير بين الغرب والعرب؟

لما بدأت الاحتجاجات الشعبية في المنطقة العربية انطلاقا من ثورة الياسمين في تونس والتي شكلت حدثا مفاجئ للنظام السياسي الحاكم وقتها وللشعب التونسي والعربي وحتى العالمي، ثم انتقلت لبعض الدول العربية على غرار مصر، ليبيا، سوريا واليمن، لم تعرف كذلك هذه الاحتجاجات في بدايتها أي شكل للتنظيم الحزبي والرسمي في أغلب هذه الدولة وهو نفس حال السترات الصفراء في فرنسا، لكن ملامح الاحتجاجات في بلداننا العربية يسودها غياب التنظيم والوعي الثقافي والسياسي والاقتصادي الذي ينبع من مبادئ وثقافة الفرد العربي في حد ذاته.

احتجاجات السترات الصفراء على الأقل في بدايتها كانت بشكل سلمي، إذ وحتى يطلبون بحقوقهم لا يقدمون على تخريب ممتلكات الدولة بل يقفون في الشوارع العامة وعلى مداخل الطرقات حتى يشلون حركة المرور

لما كانت الاحتجاجات الشعبية في مختلف هذه الدول أغلب الأفراد يذهبون للمظاهرات وتكون المحصلة عمليات نهب وشغب وتحطيم لمختلف رموز الدولة ومؤسساتها للحكومية وغير الحكومية، بشكل يومي ولمدة أكثر من أشهر إن لم نقل سنوات، تتوجه الأفراد بشكل يومي إلى الساحات العامة للتظاهر والمطالبة بإسقاط الانظمة الحاكمة كانت هذه هي الهتافات التي ترددها أغلب الشعوب العربية "الشعب يريد اسقاط النظام" "ارحل ارحل ارحل" وغيرها من العبارات التي تؤكد في مجملها على تغير الرئيس وفي خطوة مستحسنة نوعا ما عزل الحكومة كذلك، لكن التساؤل هنا: هل الأجدر أن نغير الرئيس في شخصه أو نغير طبيعة الحكم وسياسات الدولة المنتهجة ككل؟

عندما تم إسقاط نظام زين العابدين بن علي في تونس وأحداث أول تجربة للانتقال الديمقراطي في دولة عربية كانت كل المؤشرات تدل بأننا نعيش فترة انتقالية في الوطن العربي قد تنتقل لباقي الدول في سياق ما عرف "بكرات الثلج" بأن نفس المعطيات ستقدم لنا نفس النتائج، لكن الواقع مخيب لتلك النتائج، كان الأجدر أن تطالب الشعوب العربية بتغير السياسات العامة التي يتبانها صانع القرار والتي لا تعبر عن طموحات الشعوب وفي مقدمتها سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فمثلا هل يمكن القول أن تونس بعد أكثر من خمسة سنوات من مغادرة زين العابدين بن علي لسدة الحكم تعيش في حالة أفضل مما سبقها؟ هل هذه هي الديمقراطية التي طالبت بيها الشعوب وضحت بحياتها وممتلكاتها وأمنها لتعيش مرحلة جديدة؟ هل الحال في مصر أفضل لما كان عليه خلال حكم حسني مبارك؟ 

في فرنسا لما طالب المحتجون أصحاب السترات الصفراء تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، لا بد من الوقوف على حقائق معينة قد نستشهد بها في تاريخ الحركات الاحتجاجية، بداية من مسار الحركات الاحتجاجية للسترات الصفراء التي كانت كالتالي:

17 نوفمبر/تشرين الثاني: 282 ألف متظاهر، وفاة متظاهر وجرح 409 واعتقال 73 متظاهرا.
24 نوفمبر/تشرين الثاني: 166 ألف متظاهر – 84 جريحا – 307 معتقلا.
1 ديسمبر/ كانون الأول: 136 ألف متظاهر – 263 جريحا – 630 معتقلا.
8 ديسمبر/ كانون الأول: 125 ألف متظاهر – 118 جريحا – 1723 معتقلا.

ما يمكن ملاحظته أن التظاهرات كانت يوم السبت من كل أسبوع وهي أحد أيام العطلة الأسبوعية للمواطنين، أي أن باقي أيام الأسبوع تكون الاحتجاجات غير ناشطة في كثير من المقاطعات الفرنسية، لأن المواطنين ملتزمون بمهام وأعمال لا ينبغي تأجيلها على حساب مصالحهم الشخصية والاجتماعية والاقتصادية، ووفقا لبعض السياح الأجانب الذين يزورون الدولة الفرنسية لاحظناهم يلتقطون الصور خلال باقي أيام الأسبوع بشكل عادي ويقومون بزيارة الأماكن التي شهدت تظاهرات خلال أيام العطلة.

في مستوى أخر ما يمكن ملاحظته أن احتجاجات السترات الصفراء على الأقل في بدايتها كانت بشكل سلمي، إذ وحتى يطلبون بحقوقهم لا يقدمون على تخريب ممتلكات الدولة بل يقفون في الشوارع العامة وعلى مداخل الطرقات حتى يشلون حركة المرور، لا بد من التأكيد على أننا لا نجزم أن الفرنسين نموذج للكمال والتحضر فيما يخص طريقتهم في التعبير عن رأيهم وحقهم، لكن لا بد من معرفة مستويات التصعيد وأي وقت ينبغي استخدام أعمال الشغب وكما يقول مارتن لوثر كينغ: الشغب لغة من لا يسمعون، يعني في مرحلة معينة من عدم الاستجابة يكون التصعيد.

 

ما ينقص الفرد العربي إيمانه بحقوقه كاملة، لا تسكته إصلاحات جزئية تمس جوانب فقط من حياته اليومية ولا تعبر عن واقعه، إصلاحات سريعة وأنية لا أن تبقى مجرد قرارات ومخرجات مستقبلية
ما ينقص الفرد العربي إيمانه بحقوقه كاملة، لا تسكته إصلاحات جزئية تمس جوانب فقط من حياته اليومية ولا تعبر عن واقعه، إصلاحات سريعة وأنية لا أن تبقى مجرد قرارات ومخرجات مستقبلية
 

وفي الحالة الفرنسية بدأ التصعيد بعد قرابة ثلاثة أسابيع من بداية الاحتجاجات، والتي زمنها سكوت الرئيس الفرنسي ماكرون وعدم خروجه بخطاب صريح ورسمي حول هذه الأحداث، إلا بعد أحداث الشغب ليوم السبت أين انضم الطلاب وبعض النقابات إلى الاحتجاجات وبعد موجة من أعمال العنف التي كانت في العاصمة الفرنسية باريس على وجه الخصوص وتعرضت للنهب والتخريب وتهديم بعض الأماكن الأثرية ومن بينها برج إيفل، ليخرج بعدا الرئيس الفرنسي يوم الاثنين بخطاب موجه للشعب الفرنسي يؤكد فيه على تفهم الوضع، وحث الحكومة على تقديم إصلاحات والرد على مطالب الأفراد، وجاء الخطاب بالعديد من الإجراءات التي ترمي إلى تعزيز القدرة الشرائية للفرنسيين في محاولة منه لحل الأزمة، ومن بينها تعزيز القدرة الشرائية للفرد الفرنسي والتي تقضي برفع الحد الأدنى للأجور 100 يورو اعتبارا من سنة 2019، من دون أن يتحمل أرباب العمل أي كلفة إضافية، وإلغاء الضرائب على ساعات العمل الإضافية، وإلغاء الزيادات الضريبية على معاشات التقاعد لمن يتقاضون أقل من ألفي يورو شهريا.

هذه الإصلاحات من قبل الرئيس الفرنسي جاءت بعد أقل من شهر من انطلاق احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، في بلداننا العربية لابد من مشوار حافل من التخريب وأعمال العنف والقتل حتى يخرج قرار بتراجع الحكومة عن سياسات معينة إن لم نقل أنها لا تستجيب في الأساس، والعجيب أن المواطنين الفرنسين لم يلبون طلب الرئيس الفرنسي ويدعون لإصلاحات أكبر تلبي حاجات مواطنين محسوبين على دولة من أكبر اقتصاديات الدول الكبرى، شعب لا يقبل بإسكاته وطمس حقوقه بتغيرات طفيفة حسبهم، شعب يعير أهمية لإيصال صوته ومطالبه المشروعة.

إن هذا ما ينقص الفرد العربي إيمانه بحقوقه كاملة، لا تسكته إصلاحات جزئية تمس جوانب فقط من حياته اليومية ولا تعبر عن واقعه، إصلاحات سريعة وأنية لا أن تبقى مجرد قرارات ومخرجات مستقبلية، ينقصنا كمواطنين أن نفرض أنفسنا باننا شعوب تستحق أن يسمع لها، أن تمنحنا الفرصة للإبداع بداخل بلداننا، لما نرفض لوضع معين ذلك بأننا سئمنا وارهقتنا السياسات المتعفنة، نحتاج في وطننا العربي إلى وعي سياسي واجتماعي واقتصادي لنعرف أهمية التنظيم والعمل الجاد للوصول إلى نتائج فعلية، إلى مبادئ حقيقية تبدأ من الفرد في حد ذاته وفي قناعاته بضرورة التغير لما هو أفضل، نحتاج إلى ثورة في الأفكار حتى تنجح ثورة الشعوب وتحقق أهدافها، عدى ذلك لن نلبس سترات صفراء لأن حكومتنا ستلبسنا السترات الحمراء وندفن في المقابر كما دفنت أحلامنا في هذه الحياة.