شعار قسم مدونات

ماذا لو تجاوز بن سلمان محنته الراهنة وأصبح ملكا للسعودية؟

blogs محمد بن سلمان

لم يعد خافيا على أحد إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بات يمر بأزمة حادة ووجودية بالنسبة له، وقد تراجعت شعبيته إلى حد كبير على إثر قضية الصحفي جمال خاشقجي وطريقة تصفيته البشعة في قنصلية بلاده بإسطنبول، فبعد هذه القضية اصطف العالم تقريبا ضده وراح يندد بالجريمة متهما إياه بالضلوع فيها، ولم يبق من يذود عنه إلا صاحب البيت الأبيض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لا يضمنُ أحد مواقفه وتحديد سياساته لاسيما إذا ما تكشفت كلُّ الأوراق وانجلت الحقيقة حول ملف جمال خاشقجي.

لكن بعيدا عن كل ذلك وانطلاقا من الرأي القائل بأن السياسة لا تعرف المستحيل، وأن كل شيء قد يحدث في عالمها المتقلب، نتساءل هنا؛ ماذا لو استطاع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والأسرة المالكة تجاوز هذه الأزمة والعبور من أصعب مرحلة تمر بها العائلة المالكة في العقود الأخيرة؟ ماذا لو أصبح الأمير الشاب -ذو الطموح الجامح والحرص الشديد على استلام العرش- ملكا للسعودية وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة بشكل رسمي بعد أن كان يتحكم في مفاصل الدولة باسم والده وبشكل غير مباشر؟


فرضيتان حول السياسة السعودية في حال أصبح بن سلمان ملكا

في حال تمكن الأمير الشاب من تخطي أزمة خاشقجي والوصول إلى العرش في السعودية فإن المملكة تكون أمام واقعين مختلفين، وهذان الواقعان المختلفان ولنقل المتضادان ينبعان في الحقيقة من مدى إدراكية وفهم بن سلمان – في حال أصبح ملكا – وماهية الدروس التي اتخذها من أزمة خاشقجي وغيرها من الأزمات التي عاشتها السعودية خلال السنوات الأربع الماضية على وجه الخصوص. إذا ما أصبح ولي العهد السعودي ملكا للسعودية فإن الأمر لا يخرج عن أمرين؛ إما يكون ولي العهد السعودي قد اعتبر من دروس الماضي وأحداثه، وإما إنه لا يزال مصرا على نهجه السياسي "الصادم" للداخل والخارج السعودي.

1- فرضية اتعاظ بن سلمان من أخطائه السابقة وتصحيح سياساته
في حال كان الأمير محمد بن سلمان قد اعتبر من أخطاء الماضي ودروسه المرة، واتعظ من فشل سياساته المتكرر، فإنه قد ينجح ويعيد الاستقرار السياسي النسبي للمنطقة، كما يخفف من حدة الاحتقان المجتمعي والفكري الذي بات المجتمع السعودي يعاني منه على إثر حالة القمع والسطوة الأمنية الباطشة المعتمدة في المملكة. وستكون أولى خطوات بن سلمان في هذه الحالة على الصعيد الخارجي هو وقف الحرب في اليمن، وإنهاء الحصار المفروض على قطر والدعوة إلى حوار بناء وحقيقي معها، وكذلك وقف الخطاب العدائي تجاه إيران وإيجاد طرق أخرى للتعامل معها بدل التهجم عليها واعتبارها مصدر كل بلاء وأزمة في المنطقة. كما قد يفتح صفحة جديدة مع تركيا باعتبارها بلدا ذات أهمية وتأثير إقليمي وعالمي.

بن سلمان وفي حال تجاوز الأزمة الراهنة – ولم يتم عزله وإقالته كما تتردد الأحاديث في هذا الخصوص- فإنه يكون أكثر بطشا وصدمة في سياساته الداخلية والخارجية

وبطبيعة الحال يتبع هذه المراجعة السعودية لسياساتها الخارجية -لو تمت- تغيير في التعامل مع تيار الثورات العربية وما يسمى بجماعات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين وغيرها من الحركات الإسلامية كالنهضة وحماس والإصلاح اليمني. ولا شك إن هذه التغييرات المفترضة ستخلق للسعودية مشاكل جديدة مع مصر والإمارات تحديدا، لكن وبكل يقين فإن تلك المشاكل المستقبلية والمحتملة لن تكون حدتها وخطورتها كخطورة ما تعانيه السعودية اليوم من أزمات مع قطر وإيران وتركيا والعراق ولبنان وسوريا، بالإضافة إلى الابتعاد عن الشارع والنفرة اجتماعية في العالم العربي تجاه قيادتها واستراتيجيتها الحالية. وعلى الصعيد الداخلي فإن أهم خطوة قد تقوم بها السعودية في حال قررت تغيير سياساته تتمثل بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والاجتماعيين والدعاة والناشطين في السعودية وفتح صفحة جديدة تساهم في نوع من المصالحة المجتمعية.

لكن يبرز هنا تساؤل ملح مفاده، كيف لعقلية ولي العهد السعودي التي خططت لاغتيال الصحفي جمال خاشقجي بهذه البشاعة التي تحدثنا عنها المصادر تركية وكذلك الأمريكية (CIA) أن تستوعب الدرس وتعيد النظر في سياساتها واستراتيجيتها المتعثرة في المنطقة، وكيف لشخص سوّلت له نفسه أن يجبر رئيس وزراء دولة ذات سيادة على الاستقالة، أو شخص قرر فجأة قيادة تحالف رباعي لحصار دولة شقيقة وتقديم مطالب تفتقد للعقلانية وتشوبها النظرة الصبيانية غير الرزينة في عالم السياسة، كيف لمثل هذا الحاكم أن يستوعب دروس الماضي ويعيد النظر فيما هو عليه من واقع ومنهج خاطئ. هذا ما يجعلنا نميل إلى أن بن سلمان وفي حال تجاوز الأزمة الراهنة – ولم يتم عزله وإقالته كما تتردد الأحاديث في هذا الخصوص- فإنه يكون أكثر بطشا وصدمة في سياساته الداخلية والخارجية، كما إن روح الانتقام ستترسخ فيه ضد كل من يعتبره عدوا له في أزمة خاشقجي وغيرها من الأزمات، لأنه وباختصار بات أسيرا لروح الاستبداد النفسي وليس هناك نظام يسيّر حياته وأخلاقه، وكل شؤونه تشبه الفوضى لا ترتيب فيها وهو يتبعها بلا وجه كما نص بذلك الكواكبي في "طبائعه".

2- فرضية عدم اتعاظ بن سلمان من أخطاء الماضي 
انطلاقا من الشواهد الملموسة في السياسات السعودية في ظل قيادة ولي العهد السعودي في السنوات الأربع الماضية فإننا نميل إلى أن بن سلمان لن يعتبر من أخطائه السابقة، وإنه سيكون أكثر شراسة وانفلاتا في سياساته الداخلية والخارجية، وإن المنطقة والداخل السعودي مقبلان على واقع جديد فيما لو أصبح الأمير الشاب ملكا.

الداخل السعودي

ففي الداخل السعودي يُتوقع أن تشهد السعودية أزمة اجتماعية حادة حيث يُعرف عن المجتمع السعودي محافظته الدينية الشديدة والتقاليد القبلية المترسخة في الوقت الذي تسعى القيادة السعودية تغيير هذا المجتمع وأعرافه ونشر "العلمانية غير السياسية" (التي تقتصر على الحياة الاجتماعية والمظاهر الشكلية)، فهذه الازدواجية وهذا الحكم الفردي المستبد سيخلق للسعودية مشكلة مع المؤسسة الدينية المتنفذة، وكذلك المجتمع المحافظ وقد تترتب على هذا الشرخ المجتمعي والداخلي حالة من الكراهية المجتمعية وهي سمٌّ قاتل ومن أكبر أسباب التعصب والتأخر والتناحر، بل والحروب كما يؤكد ابن خلدون في مقدمته.

بعد كل النقد والتشويه الذي تعرضت له السعودية بسبب بن سلمان وسياساته يصعب على العالم أن يقدر هذه الدولة ويحترمها إذا ما أصر السعوديون على تولية بن سلمان ملكا على السعودية
بعد كل النقد والتشويه الذي تعرضت له السعودية بسبب بن سلمان وسياساته يصعب على العالم أن يقدر هذه الدولة ويحترمها إذا ما أصر السعوديون على تولية بن سلمان ملكا على السعودية
 
واقع المنطقة لو أصبح بن سلمان ملكا للسعودية

ستشهد المنطقة في ظل حكم بن سلمان للسعودية مزيدا من التصادم والصراع، حيث سيستمر التناحر بين السعودية وقطر قائما وتستمر بينهما الحرب الإعلامية الضروس على قدم وساق، كما ستستمر الحرب الباردة بين السعودية وإيران إذا لم توجد آليات عملية للتفاوض والحوار بين البلدين الإسلاميين الهامين، هذا ويتوقع أن يبقى الوضع في اليمن مستمرا على ما هو عليه من الحرب والصراع الداخلي والفوضى التي تعيشها المحافظات اليمنية لاسيما المحافظات الجنوبية التي تسيطر عليها السعودية والإمارات وحلفاؤها اليمنيون. كما إن حالة الحرب بالنيابة سواء كانت دبلوماسية أو عسكرية ستستمر بين إيران والسعودية في كل من العراق ولبنان وسوريا.

العالم

وما يتوقع للسعودية أن تواجهه على الصعيد الدولي هو كذلك مزيدا من الضعف والتراجع في لعب دور حقيقي وهام، فبعد كل النقد والتشويه الذي تعرضت له السعودية بسبب بن سلمان وسياساته يصعب على العالم أن يقدر هذه الدولة ويحترمها إذا ما أصر السعوديون على تولية بن سلمان ملكا على السعودية. كما إن العالم في ظل بن سلمان قد يشهد مزيدا من الصراعات لاسيما إذا ما بقي بن سلمان على نهجه دون أن يقوم بإعادة النظر بشكل جذري في سياساته، وفي هذا السياق نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الثلاثاء 11 كانون الأول / ديسمبر تقريرا تناول أهم ما كشفته قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي للعالم، بالنسبة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وأكدت الصحيفة إن "وجود بن سلمان على الساحة الدولية كغير نادم على أفعاله هو خطر عالمي. إذا ما بقي ولي العهد مقتنعاً بأنه لن يواجه أي عواقب ذات مغزى لوحشيته، فيمكننا أن نتوقع المزيد من الدماء في المملكة العربية السعودية وفي اليمن وحتى في أماكن أخرى".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.