شعار قسم مدونات

فرنسا "السترات الصفراء".. ثورة شعبية أم مجرد فوضى؟

PARIS, FRANCE - DECEMBER 08: A protester throws a tear gas canister back at the police during the 'yellow vests' demonstration near the Arc de Triomphe on December 8, 2018 in Paris France. ''Yellow Vests' ('Gilet Jaunes' or 'Vestes Jaunes') is a protest movement without political affiliation which was inspired by opposition to a new fuel tax. After a month of protests, which have wrecked parts of Paris and other French cities, there are fears the movement has b

كانت نتيجةُ محاولات، ماكرون الرئيس النُخبوي، الجذرية لإصلاح اقتصاد فرنسا، قاسية ومُفاجئة، لم يجتّر كما يبدو محاولة ساركوزي، الذي لم ينجح ببدء البرنامج الاقتصادي الجديد وواجه أزمة السلطة، في الواقع، اندلعت احتجاجات السترات الصفراء، بمطالب إلغاءِ الضرائبِ المتفاقمة على المحروقات، وخفض ضرائب القيمة المُضافة على الغذاء، ورفع فاعلية الإنفاق الحكومي، لكنها سرعان ما تفاقَمت إلى المطالبَةِ باستقالة ماكرون، وحّل البرلمان، وإدراج هذه المطالَب وغيرها، للتصويت في استفتاء شعبي.

 

هذا التسارع، غير المعقول، يُشير بالفِعل الى خللِ علاقات العمل الفرنسية، ومصالحها الراسخة، وانقسامها العميق بين الشعبوية اليمينية، والنُخبة العميقة، فرنسا أكثرُ استقطابا، من أي وقتٍ مضى في تاريخها القريب، وعلى مداره، سُنت أزماتها السياسية في شوارعِ باريس، مثلاً على براعة الثوار، من الاضطرابات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى الإطاحةِ بديغول بعد عام 1968، ارتبط سحر فرنسا، بالثورة، والحواجز والحرائق، وشرطة الشغب، في السَبت الماضي، قرأ ماكرون الكتابات الساخطة التي كُتِبَت على قوس النصر، واستسلم للحراك، الذي قال عَنه: "خليطُّ من كل شيء، ومزيجُّ من اللاشيء"؟

ولأن اللافت في الحراك أنه لا ينتمي أو يتبنى وجهةَ نظرٍ سياسية، بل إن أكثر الاحتجاجات قوة في فرنسا، في الآونة الأخيرة، تجاوزت الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، وجَمعت المحتربيِّن السياسيين من أقصى إلى أقصى، فاليمينُ المُتشدد شاركَ بقوةٍ في الحراك، ويسارُ «فرنسا الأبية» توَجه مع المحتجيِّن إلى الشانزليزيه، وعلى الرغم من العنف، حظيِّ المُحتجون بدعمٍ كبير في الرأي العام، في حين أن شعبيةَ ماكرون قد تراجعت إلى مستوى شديد الانخفاض.

تُظهر هذه الاحتجاجات الفرنسية أن العلاقة بين الاقتصاد والحضارة أكثر تعقيداً، فالسبب المباشر للاحتجاجات هو الاقتصاد -زيادةُّ ضريبية- كان ذلك تعبيراً عن الغضب من تآكل مستويات المعيشة للطبقة العاملة في أوروبا

عند صعود ماكرون إلى السلطة، كان قد مَثّل هزيمة الشعوبية، وليس لأنه جاء على حساب اليمينية مارين لوبان، في الانتخابات الرئاسية فحسب، ولكن أيضاً، لأنه يؤكد الاعتقادات بأن المشكلةَ التي تواجهها الدول الغربية، هي أن المركز العقلاني لليبرالية الديمقراطية، يتعرضُ للهجوم من قِبل القوى المتطرفة للشعوبية. لكن ماكرون، ولأنهُ لم يوفِ بوعوده، عن توفير الوظائف والنمو الاقتصادي، وبموقفه الأرستقراطي المتعالِ، وسياسات الإصلاح التاتشريِّة، ساهَمَ في تفاقم أزمة التمثيل هذه. أعتقد أن مؤشرات السخط مِن الأحزاب والمؤسسات الرئيسية، والتي تأخذ أشكالاً غير مألوفة التنظيم، في التعبير عن السخط الشعبوي، معقولة، بسبب السياسات التي أدت إلى عدم المساواة، وخفضت مستويات المعيشة، والتي استبعدت المواطنيّن من عملية صناعة القرار.

والذي عبر عن مدى اللامبالاة، حقيقةً، هو أن السياسيين قضوا سنواتٍ طويلة في بذل الطاقة القَلقة لدراسة وتحليل خطورة الشعبوية، أكثر من اهتمامهم بالسياسات التي عززت السخط. لقد سئم النَّاسُ، الشعارات التي يطلقها ماكرون، بشكلٍ متفاقم، لازدراء المواطنين العاديين، الذي بدا واضحاً، في الكثير من النقاشات حول النزعة الشعبية. تُظهر هذه الاحتجاجات الفرنسية أن العلاقة بين الاقتصاد والحضارة أكثر تعقيداً، فالسبب المباشر للاحتجاجات هو الاقتصاد -زيادةُّ ضريبية- كان ذلك تعبيراً عن الغضب من تآكل مستويات المعيشة للطبقة العاملة في أوروبا.

لكن ما يُقلق الناس، ليس مجرد زيادة الضرائب أو التخفيض من الخدمات العامة، بل تبعاتهُ، التي تُضعف من قوتهم في التأثير على السياسات، التي تشكل حياتهم، ولإدراكهم أنهُ يُنظر إليك فقط من خلال منظورِ ما تشكله من قوة سياسية. وقد ساعد تراجعُ مؤسساتِ القوى العاملة، والحركة العمالية، على إخفاء الجذورِ الاقتصادية والسياسية للمشكلات الاجتماعية الكبرى. لقد أصبحت الثقافة، وليس الطبقة، هي الوسيلة التي تؤَطَرُ من خلالها القضايا الاجتماعية الآن، فمشاكلُ الطبقة العاملة أقل حضوراً، لأن منتجات السياسة الطبقية، اختفت، وأصبح التعبير عنها أكثر من كونها ناتجة عن الخسائر الثقافية. 

ويُنظر بشكل متزايد إلى الآخر، وأقصدُ المهاجرين واللاجئين، المسلمين والأفارِقة، على أنهم “تهديدُّ للطبقةِ العاملة“. هذه بروباغندا أقصى اليمين، لتشكيل السَخط، وكسب المصداقية الانتخابية. كيف نصنع حصناً وسطياً ضد الشعبوية؟ وكيف يمكننا أن نُعطي شكلاً تقدمياً لسخط الناس والفوضى التي خلفوها؟ ليس هناك الكثير من الحلول، إذا ظّل اليسار، يقف على الهامش، سيتفجر الحقُ الراديكالي والتيار العُنفي ليحتل المركز، ولنَعرفَ أن تعزيز مفاهيم الليبرالية الديمقراطية، للهجرة والثقافة والانتماء، يتطلبُ أن تبقى هذه التيارات متفوقةً، بالفعل وتحقق الرفاهيّة، وإلا فإنها ستنهار، في حصونها، وأسرع مما نتوقع.