شعار قسم مدونات

عندما يتجه العالم نحو الفردانية

blogs هاتف

يبدو بأن العالم يتطور بشكل سريع، وبقدر ما يتطور يحمل بين طياته مجموعة من الإيجابيات، وفي نفس الوقت ينطوي على سلبيات، لكن هذا التطور يبقى إيجابيا في مجمله، لأنه بمثابة حاجة ملحة لمتابعة السيرورة التي تلاحق هذا المسار الذي يسير فيه العالم، وهكذا فالتطور جاء نتيجة تراكمات من السعي لتحقيقه بواسطة الوعي الإنساني، وفرضه التاريخ بشكل غير مباشر، وبقدر ما يتطور العالم تتغير مجموعة من الأمور والطبائع التي تخص الإنسان، فبعد أن وجد الإنسان نفسه داخل جماعة، اضطر لمسايرة هذه الجماعة، لأن الإنسان اجتماعي بطبعه، لكن هذا الطبع أثّر عليه التطور بشكل سلبي، حتى بدأ الإنسان يميل إلى الابتعاد عن جماعته، والانغلاق على نفسه، ولعل الظروف التي لاحقت هذا التطور ساهمت في هذا المنحى الذي يبدو سلبيا من خلال تأثيره على العلاقات الإنسانية، وجعلت الإنسان يبتعد عن طبعه، وهذا يفرض إعادة النظر في هذا الطبع، فقد يكون هذا الطبع الجديد الذي يميل إليه الإنسان غير مناسب لطبيعة الإنسان.

 

بعد أن كان الإنسان اجتماعيا بطبعه، وبسبب التطور الذي يلاحق وعيه، أصبح هذا الإنسان يفقد طابعه ذاك، وفي المقابل اتجه نحو الانغلاق على ذاته، ولم يعد بوسعه تحمل قيود الجماعة، والانصهار فيها إلا عند الضرورة فقط، وفي أحيان كثيرة يجد ضالته في عزلته، ويرتاح مع ذاته أكثر من راحته مع الآخرين، وهكذا بدأ يشعر بالنفور من علاقاته الاجتماعية، ولم يعد في وسعه امتلاك المزيد من الصبر لتقويه هذه العلاقات، كما أن الوقت لم يعد يسمح له بإعطاء العلاقات الاجتماعية ما يكفي من الاهتمام، وكل هذه الأمور تكسر طبيعة الإنسان، وتجعله هشا.

 

لعل هذه العبودية الحديثة المتمثلة في العمل لحساب مؤسسات معينة جعلت الإنسان الحديث خاضع لهذه المؤسسات، فلم يعد بوسعه الاستجابة لمتطلبات العلاقات الاجتماعية، وفي المقابل يعطي الوقت الكافي لالتزاماته، وهذا الوقت يفرض عليه توقيتا معينا يجب احترامه بالضرورة، ومن خلال ذلك لن يتبقى له من الوقت ما يكفي لممارسة طبعه الاجتماعي، وحتى في أوقات فراغه لا يجد متنفسا لذلك، بل يحاول أن يستغل هذا الفراغ لراحته وانشغالاته الفردية، وهكذا لن يقدر على إنعاش جانبه الاجتماعي، ومع الوقت يتلاشى هذا الجانب، إلى أن يصير غير ذي أهمية، كل ذلك بسبب الظروف الذي أجبرت هذا الإنسان على الخوض في الأمور التي ستضمن له قوت حياته، ومن أجل ذلك ينسلخ من طابعه الأصلي.

 

بعد أن اعتاد العالم على العيش وسط الجماعة والاندماج فيها والتأطير ضمنها، تغير هذا الوضع، فبات كل فرد يؤطر نفسه ويحدد ذاته دون الحاجة للجماعة، وبدأ يرتاح أكثر كلما ابتعد عن الجماعة

لقد ساهمت التكنولوجيا بشكل كبير في جعل الإنسان الحديث ينغلق على ذاته أكثر، فقد أضحى الإنسان تكنولوجيا بالضرورة، أكثر من أي وقت مضى، وباتت حياته مرتبطة بالهاتف والحاسوب، وأصبح اهتمامه بالعالم الواقعي أقل من العالم الافتراضي، فباتت حياته منحصرة على جهازه، وبما أن العالم أصبح قرية صغيرة جدا بين يدي الإنسان المعاصر، فقد وجد نفسه وسط كم هائل من المعلومات والأحداث التي تحيط بهذا العالم، مما يدفع فضوله لاستكشاف مستجدات العالم حسب اهتماماته، ومن أجل ذلك يعطي أغلب وقته لجهازه، أما علاقاته الإنسانية لم تعد تأخذ منه أدنى اهتمام، إلا عند الضرورة، وحتى في الحالة التي يضطر فيها إلى مجالسة جماعته، فهو لا يعطيها كامل تركيزه، ذلك أن تركيزه منصب على جهازه، وفي هذه النقطة يذوب الطابع الاجتماعي، ولم يعد الإنسان يجد ضالته إلا في ما يعمق من عزلته، وينسيه كيف يدرك ذلك.

 

بقدر ما ينطوي هذا التطور على إيجابيات، إلا أنه يخفي بين طياته تأثيرا سلبيا، خصوصا على العلاقات الإنسانية، لأن هذه العلاقات وُجدت لكي توطد وتقوي الروابط بين الأشخاص، لكنها باتت تسير نحو المجهول في ظل الغموض الذي يلاحقها، وفي ظل الانهيار الذي يطالها، وفي ظل اللامبالاة التي تبنى عيها، وفي ظل الأسباب التي أدت إلى هذه المرحلة، ولعلها مرحلة تتجه أكثر نحو الفردانية، وبنفس القدر تبتعد عن الجماعة، وليست الجماعة هنا بمفهومها الأيديولوجي، ولكن في إطار العلاقات الإنسانية التي تؤسس لهذه الجماعة، ولهذا السبب أصبحت العلاقات الإنسانية غير ذي معنى في ظل اللامبالاة التي يتعامل بها الإنسان من خلالها، وفي ظل ميولها المتزايد نحو الفردانية، والانغلاق على الذات.

 

بعد أن اعتاد العالم على العيش وسط الجماعة والاندماج فيها والتأطير ضمنها، تغير هذا الوضع، فبات كل فرد يؤطر نفسه ويحدد ذاته دون الحاجة للجماعة، وبدأ يرتاح أكثر كلما ابتعد عن الجماعة، لأنه لم يقدر على مسايرة الجماعة في متطلباتها، ثم إن هذه الجماعة باتت تشكل حاجزا أمام حريته، فهو الذي طالما أمن بالحرية، حيث لا معنى لهذه الحرية وسط الجماعة، ومن أجل ذلك يحاول الانسحاب منها، في مقابل الاندماج مع الذات أكثر، لكي يستشعر القدر الأكبر من الحرية، وهكذا يتمادى في اختياره، حتى يجد نفسه فردا وسط جماعة، ومن ثم تذوب هذه الجماعة في أحضان الأفراد، ليصبح لكل فرد طريقته وأسلوبه ومبادئه، بعيدا عن تلك التي تعارفت عليها هذه الجماعة التي يندرجون ضمنها، وبغض النظر عن إيجابيات هذا الأمر إلا أن العلاقات الإنسانية مطلب ضروري لكي يستشعر الإنسان وجوده.