حين رفعت بطانة المجتمع!

يمكن لحدث صغير أن يشغل الرأي العالم لأسبوعين، ويمكن لحدث كبير أن يتصدر العاجل لساعتين، الفرق بين هذا وذاك جمهور يروق له أن يتحدث عن الهوامش، عن الأرصفة بعيدا عن الطرق الطويلة والمتعبة، ذلك النفق المظلم الذي لا ينتهي إلا بقيود سجان، أو بصمت مغلوب عن أمره، وكاثم لغيضه.

رفعت بطانة فستان الفنانة رانيا يوسف في مهرجان القاهرة، فأصبح الحدث الأكثر تداولا على الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، انقسم الشعب العربي بين مدافع عنها بدعوى الحرية الشخصية، وبين ناقد لها بدعوى خدش الآداب العامة لمجتمع يصنف ضمن المحافظ بعيدا عن أضواء المهرجانات، ومدينة الإنتاج الفني، كليبات الأغاني، وبرامج الابتذال.

حين يصبح للفستان جمهور، وللبساط الأحمر كوكبة من الإعلاميين، وتصبح الكاميرات العربية لا تجيد إلا تصوير إطلالة النجوم، هنا وجب علينا البحث في مجتمعاتنا، وغربلة الذوق العام الذي أصبح في القاع يشاهد كل رديء، ويسعد بكل سخيف يعرض عليه، وفقا لقانون ما يرضاه المشاهدون، وما يرغب فيه المنتجون، بعد أن تحولت صناعة محمد السبكي إلى أفلام تروج لكل بذيء، وأصبح الفنان محمد رمضان الرقم الصعب في وطن كل ما فيه صعب ومخيف.

رفعت بطانة المجتمع بعد أن ساومنا السيسي في خطاب شهير بين البطاطس أو بناء دولة ذات قيمة، رغم أن أوجه التشابه بين الخيارين جعلنا نفضل الأولى بدل من وطن يباع فيه كل شبر بأوراق يقال أنها كانت في جيب الرؤساء الراحلون، حين ساومتنا الحكومة في المغرب بين رفع أسعار الحليب أو الامتناع عن شربه، فمكان لنا إلا مناصرة حزب الشاي بعيدا عن التصعيدات، وحتى الجزائر رفعت بطانة الموز من خلال الأسعار، فجعلته من الفواكه الأرستقراطية التي وجب عليك حرق راحة يديك حين تلمسها سهوا أو شوقا، بطانة الفقر المدقع الذي تعيشه غزة رفعت منذ الحصار، وبطون أطفال اليمن خرجت للعلن بعد الحرب، لا تبكي يا "غلبان" لست قطعة قماش كي تجذب الانتباه.

رفعت بطانة المجتمع العربي منذ سنوات، وكشفت عورة الوطن للمؤيد والمعارض، ولم نسمع يوما عن قضية رفعت على الحاكم بدعوى الإخلال بالآداب العامة وخدش حياء الأمة

رفعت بطانة المجتمع حين قبلنا بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، وسربت لنا أسماء الرؤساء المرحبون بصفقة القرن، حين خرج ترامب للعلن وطلب أموال لحماية بعض الدول وأسماه بدول الأسبوعين، رغم أنها تصدر لنا في كل مناسبة من خلال ذبابها الإلكتروني، أنها أقوى دولة في العالم، حين شاهدنا موسم التطبيع العربي يعبرنا بصمت، وموعد تقسيم الميراث مناصفة بين الرجل والمرأة في تونس يمر في هدوء، حين أغلقنا ملف موت جمال الخاشقجي بظرف المال، وشمع المصالح، لا تبكي يا "وطن" لم تكن يوما نجما فوق البساط الأحمر.

الفستان الذي شغل الرأي العام كان سترة صفراء في فرنسا، لو أخذناها بمنطق الأقمشة، أخرج الرئيس من مكتبه ليلبي مطالب المحتجين، ويرضخ لإرادة الشعب، شعوب تعرف حقوقها وواجباتها، تفعل ما عليها وتطالب بما ينقصها، تقول لا لارتفاع الأسعار، و نعم لحرية التعبير، شرطي يدافع عن الوطن لكنه ليس بمتواطئ ولا براض، لم يخف من رئيس، ولم يقل "نعم يا ريس" صافح بأدب، وتحدث بحق "لا شكر على واجب سيدي هذا عملي ولكنني أيضا متضرر من الضرائب التي خرج بسببها الشعب، أنا اشعر بالخزي سيدي الرئيس عندما اقمع أشخاص خرجوا للدفاع عن حقي".

نحن قوم بلغنا من اليأس حد القهر، فما عادت القضايا الكبرى تهمنا نبحث عن مؤخرة الأخبار لا مقدمة الأحداث، نذهب للكتف التي يسهل علينا نهشها، تقطيعها وفرمها، نخاف من كل فرعون صنعناه بأوراق التصويت، نهابه رغم انه ريشة في يد الآخرين، نتركه يعبث في البلاد والعباد بوكالة السنوات التي خولها له الدستور، ونلهث خلف كل عابر لا يغني ولا يسمن من جوع.

لقد رفعت بطانة المجتمع العربي منذ سنوات، وكشفت عورة الوطن للمؤيد والمعارض، لم نسمع يوما عن قضية رفعت على الحاكم بدعوى الإخلال بالآداب العامة وخدش حياء الأمة، حين تذيلنا مراتب الجهل والأمية، وتنافسنا على الذل والهوان، حين كانت من نصيبنا قلة الآمان وانعدام الديمقراطية، وبحوزتنا أرقام القتل والتهجير والتخريب، نحن أمة يمكنها أن تحاضر في الهزائم، وتكتب في كتب التاريخ فروع عن التوافه، بعد أن خدروها لحظة صنع القرار.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

وافق البرلمان التونسي على موازنة 2019 التي لن تفرض ضرائب جديدة على المواطنين، بينما ستخفض العبء الضريبي لبعض القطاعات، وذلك بعد سنوات من زيادات ضريبية أثارت غضبا شعبيا.

الأكثر قراءة