الحراك المجتمعي.. حلال على فرنسا حرام علينا!

blogs السترات الصفراء

تعيش فرنسا هذه الأيام على إيقاع حالة من الغليان الشعبي من خلال احتجاجات واسعة اشتهرت باسم حركة السترات الصفراء، وهي احتجاجات ما إن حدثت حتى أصابتنا نحن العرب بحالة من الذهول، حيث أنه يصعب علينا أن نستسيغ كيف لفرنسا كواحدة من أقوى دول العالم بأن تعرف انتفاضة اجتماعية ونحن الذين نعيش في بلداننا أوضاعا اجتماعية مزرية لا نحرك ساكنا وتستمر حياتنا على وقع حالة من الهدوء.

إن من شأن نظرة مباشرة لواقع الحال هنا وهناك وعقد مقارنة ظاهرية بين الحالتين أن يُكوِّن لدينا صورة قوامها التباس الفهم وانعدام المنطق، فكيف للفرنسيين وهم على ما هم عليه بالمقارنة معنا من رغد العيش أن يهبوا ثائرين وأن يخرجوا مطالبين بتحسين ظروفهم المعيشية؟! أتراهم يبالغون في التهويل أم أننا نحن الغارقون في التهوين من فداحة أحوالنا! بداية وحتى لا تكون إجابتنا ظالمة لا بد لنا من وضع الصورتين المتباينتين في الإطار الموضوعي الخاص بكل ضفة على حدة.

إذا ما أردنا الحديث عن فرنسا كبلد راق اقتصاديا فيجب أن نذكر أن هذا الرقي قد تم التمهيد له منذ زمن بعيد على المستوى الفكري والسياسي، من خلال نضالات شاقة ومريرة، فلا ننسى الثورة الفرنسية التي قامت في نهاية القرن الثامن عشر وما شكلته من منعطف تاريخي حاسم في سياق الحداثة الغربية التي توَّجت حالة من النضج الإنساني التي لا مثيل لها، وقد تم التهييئ لهذا المنعطف وهذا النضج من خلال استنارة فكرية واسعة، تصدّت بمعاول الهدم لفكر القرون الوسطى التي كانت تتسم بغلبة التصورات الغيبية والأسطورية وكذا بسطوة الأنظمة الاستبدادية التي توافقت على قهر الانسان عن طريق نشر تعاليم تبخس من قيمة الحياة الدنيا على الأرض لصالح حياة أخرة موعودة في السماء، جاءت النهضة الأوربية وحركات الإصلاح الديني لتغير المعادلة عبر إعادة مطلب السعادة الدنيوية إلى الأرض وعبر جعل الإنسان مركزا للوجود كيما تصير حياته غاية لا وسيلة.

 

نحن في مجتمعاتنا العربية لم نعش أي شيء من كل تلك المخاضات العسيرة ولا تلك التغيرات العميقة، ولن نجازف إن قلنا أننا ما نزال نعيش على تصورات القرون الوسطى من الناحية الفكرية والسياسية

وقد تأتى كل ذلك من خلال انبعاث الروح النقدية التحررية التي تخطت تشاؤمية وانهزامية العصور الوسطى، فكان أن تسارع تطور الأفكار العلمية والفلسفية التي فسحت المجال لتغيرات بنيوية كان من أبرز ملامحها ازدهار النزعة العقلانية على حساب النزعة الميتافيزيقية، وانتشار الديمقراطية ومفهوم حقوق الإنسان كإعلان أسمى عن تحرر الإنسان وحقه في أن يقرر مصيره الان وهنا، بكل حرية وبعيدا عن أية وصاية قهرية.

طبعا نحن في مجتمعاتنا العربية لم نعش أي شيء من كل تلك المخاضات العسيرة ولا تلك التغيرات العميقة، ولن نجازف إن قلنا أننا ما نزال نعيش على تصورات القرون الوسطى من الناحية الفكرية والسياسية، فكريا نبقى محكومين بضيق الأفق وأحادية الفكر وتجريم الاختلاف، وسياسيا نبقى نرزح تحت الحكم الاستبدادي حيث الحاكم هو ظل الله في الأرض، مما يعني وفي الحالتين انعدام الحق في حرية التعبير، سواء الفكري أو السياسي.

ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا يمكن للفرنسيين أن يتحركوا للتعبير عن مطالبهم في انسجام مع قيم الحداثة التي تلزم الإنسان بالتطلع الدائم نحو الكمال، بينما يصبح هذا التحرك عندنا ترفا ممنوعا ومقموعا، ذلك أن السمع والطاعة يشكلان عندنا ركنا من أركان الحياة، والتعبير عن الرأي عندنا هو بمثابة خيانة عظمى للأمن القومي، وهنا لا يتبقى لنا سوى الخوف كغطاء مزيف لنعمة الأمن والأمان، إنها حالة نجد تعبيرا عنها في مقطع من رواية "واحة الغروب" للأديب الجميل بهاء طاهر وقد كتب يقول: (هناك تعلمت أن الخوف لا الحكمة هو أساس الملك، تعلمت أن لا بد من إخافة العامة دائما بالعقاب والعذاب على الأرض وفي السماء لكي يعرفوا الطاعة والاستقامة، تعلمت أنه يجب على الحاكم ألا يسمح للعامة بالحرية أو بالمتعة بل عليه أن يعلمهم أن يجدوا المتعة في الخوف، يجب أن يعبدوني في الخوف وبالخوف). وهكذا هو حالنا يا سادة يا كرام.