الإيمان بالله.. كمال الخضوع لله من كمال المحبة

هذه المقالة قد تُبيِّن لكَ بعض الحقائق التي أُخْفِيت عن قلوب العِباد بِبُعدِهِم عن الإيمان؛ لأنَّ الإيمان هو الفاصل بينَ العبد والمعبود، فإن تحقَّقَ وجود الإيمان بقلب العبد ولو بمقدارِ ذرة سيستطيع بالقيام من انتكاسات الدنيا بمقدار تِلكَ الذرة مِن الإيمان، أما إن كانت الانتكاسات تفوق الإيمان الموجود في قلب العبد فإنَّهُ يكون ضعيفاً بمقدار قوة الانتكاسات، والله تعالى يُحِب المؤمن القوي الذي يقوى على تِلكَ الانتكاسات والاختبارات التي تُبيِّن قوة الإيمان من ضعفِهِ.

أول ما يتطلبه وجود الإيمان هو الكفر. الكفرُ بِماذا؟ بأي معبود سواء كانَ ولي أمر، محبوب، متبوع. لذلك قالَ الله تعالى: "فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ" أي من يقول: "لا إله" لا معبود بحقٍ في هذه الدنيا، سواء كان اعتقادا بِهِ أو حُباً. وبعد الكُفر يأتي الإيمان، الإيمان بماذا؟ الإيمان بالحي، والحي هو الذي لا يموت. لذلك قال الله تعالى: "وَيُؤْمِن بِاللَّهِ" أي من يقول: "إلا الله" المعبود بحقٍ. فمن كفرِ بغير الله وآمنَ بأن العبادة حقٌ لله وحده فقد ثبت عندهُ أولى درجات الإيمان وهي "لا إله إلا الله" وإن هذه الدرجة لا انكسار لها فهي نافية لكُلِّ طاغوتٍ ومُثبِتة لحق الله تعالى وحده بالعبادة. لذلك قالَ الله تعالى: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا).

وفي وقتِنا الحاضِر أرى كثيراً مِن العِلاقات التي حرمها الله موجودةً في مجتمعاتنا الإسلامية وبشكل متواتِر. إنَّ الحُب الذي يتخذَهُ بعضُ الشبابِ والشابات من جيلي أو أكبر أو أصغر قد يصل لِحد ينقُض الإيمانَ الذي بالقلب. فبعدَ أن يحبَّ الشاب شابة يتدرج بذلِك الحُب، فبمقدار تدرجِهِ بحُبِّ تلكَ المرأة يضعف إيمانه وقد يصِل إلى زوال الإيمان وتعلق القلب بالمخلوق دون الخالق، أي أنَّ الشاب ذلَّ قلبه بترك التعلق بالخالق الذي ينفع وتوجيهه إلى المخلوق الذي لا ينفع، فهذا ذلَّ نفسه بحُبِّ المخلوق.

 

الصبرَ والإيمان عامِلان لا يتجزءان عن بعضهما البعض فكل ما زاد إيمانك بالله زاد صبرُكَ على المِحَنِ والشدائد، وإنَّ أقوى ما يُميز بين أهل الإيمان وأهل النفاق هي الشعائر التي فيها شدائد

فيصبح كل القلب متعلق بهذا المخلوق والتفكر فيه والاعتقاد بأنَّه من سيجلب له النفع بالحياة الدنيا وسيجعل السعادة في قلبه. لذلك قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) فهؤلاء ليسوا من أهل الإيمان الذي يريدهم الله؛ إنما يُريد الله أولئك الذين يحبُّونَهُ حُباً لا يحبه أحد لمحبوبه ولا يُفرِدونَ ذلك الحٌب الشديد إلا لهُ. لذلك قال الله تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ". فإنَّ كمال الخضوع للمحبوب هو كمال المحبة، فإن كانَ المحبوب إنساناً كان إيمانك ضعيفاً بقدرِ خضوعِكَ لهذا الإنسان فتلقى المذلة، وإن كانَ المحبوب هو الله كان إيمانُكَ قوياً بقدرِ خُضوعِكَ لله وتلقى العزة، لأن التعلق بشيءٍ ناقِص ليس كالتعلق بالكامِل.

الإيمان يعني نفي أي شِرك في العِبادة وفي الاعتقاد، فإنَّ الاعتقاد هو مُفتاح للإيمان فمن اعتقد بأنَّ هنالِك أي أحد يستطيع القيام بالأعمال المثبتة إفرادُها لله تعالى فإنَّهُ أشركَ شركاً أكبر أخرَجَهُ من الإيمان، ومن اعتقد من أنَّ هُنالِكَ أحد هو سبب للسعادة أو الشقاء في الدنيا فذلِكَ شِركاً أصغر أخرجه من قوة الإيمان إلى ضعفِهِ.

 

وأهلُ الإيمان الذينَ ذكرهم الله في كتابِهِ هم الذين لا يُشركونَ بأي نوع من الأنواع التي ذكرتُها، فهذا الشرك ظلم لإيمانِهِم وضعفِهِ، فالله تعالى وَعَدَ المؤمنين بِهِ (إيماناً ليس فيه شِرك) بالأمن في الدنيا وفي الأموال والأعراض والأنفُس والأرزاق، ووعدَهُم بالاهتداء إلى الطريق المستقيم، طريق الصِّدِّقين والصالحين، قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ). فلما نزلت هذه الآية شقَّت على الصحابة رضوان الله عليهم؛ فعن عبدِ الله بِن مَسعودٍ رضي الله عنه قال: لَمَّا نزلت (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) شقَّ ذلِكَ على أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيُّنا لا يظلِمُ نفسَهُ ؛ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَيسَ هو كما تَظُنُّون إنما هو كما قالَ لقمان لابنِهِ: "يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ") رواه البخاري ومسلم.

إنَّ الصبرَ والإيمان عامِلان لا يتجزءان عن بعضهما البعض فكل ما زاد إيمانك بالله زاد صبرُكَ على المِحَنِ والشدائد، مثلاً: إنَّ أقوى ما يُميز بين أهل الإيمان وأهل النفاق هي الشعائر التي فيها شدائد، فعندما ذهب موسى عليه السلام وقال لقومِهِ من بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم في اللوح المحفوظ، فقالَ أهل النفاق من قومه أنَّه يا موسى إنَّ فيها قوماً جبابرة فلا ندخلها حتى يخرجوا منها، ثم قال رجلين من أهلِ الإيمان لأهلِ النفاق أن يدخلوا الباب فإن دخلتموه فإنكم ستنتصرون فتوكلوا على الله إن كنتم مؤمنين، ثم ردّوا أهل النفاق وقالوا لموسى أن يذهب هو وربه ليقاتلوا هؤلاء القوم، وقعدوا مع القاعدينَ لخوفِهِم ونفاقِهم.

 

(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ.

أهل الإيمان يتوكلونَ على الله وحده ولا على أي شيء آخر، فمن أفرد الله تعالى بالتوكل فإنَّ الله يُزيد إيمانه بقدر التوكل عليه فربطها بثبات الإيمان، فمن لا يتوكل على الله فلا إيمانَ له
 

نلاحظ أولاً إن كان بني إسرائيل يؤمنون بالله إيماناً واجِباً ومحبةً لأقاموا بما أمره الله ورسوله، لكنَّ هذه الشعيرة شعيرة الجهاد تُبيِّن حقيقة الإيمان الذي في قلوب العباد، فنلاحظ في الآيات أنَّ قلة الإيمان وضعفه يجلب معه الخوف والذعر من أهل الباطل، فكل ما ضعُفَ الإيمان زاد القلبُ رهبةً وخوفاً من أهل الباطل وعندما يرى أهلُ الباطل أنَّ الذين ادعوا على أنفُسِهم أنهم أهلُ الإيمان يخافونَ منهم لازدادوا قوةً.

 

ونرى أيضاً أن الرجلين الذينَ هم أهلُ الإيمان حقاً يخافون، يخافون من ماذا؟ من أهلِ الباطل؟ لا، إنما يخافون الله. فإنَّ خيفتهم من الله أشدُ خيفةً من أهلِ الباطل فقامَ الإيمان في قلوبِهم وثبتت القوة والعزيمة والنية في الجهاد في سبيل الله، ونلاحظ أيضاً أنهم رجُلين من بني إسرائيل الذين استجابوا لله ورسوله دلالة على أن أهل النفاق أكثر من أهل الإيمان عدداً، وكانا هذين الرجلين يعلمان أنَّ أهل الإيمان يتوكلونَ على الله وحده ولا على أي شيء آخر، فمن أفرد الله تعالى بالتوكل فإنَّ الله يُزيد إيمانه بقدر التوكل عليه فربطها بثبات الإيمان، فمن لا يتوكل على الله فلا إيمانَ له.

فإن كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا وأمرنا بالجهاد في سبيل الله لإخراج بني إسرائيل من الأرض المقدسة هل سنقول له قاتل أنت وربك إنا هاهُنا قاعِدون؟ أم سنكون على خُطى الصحابة رضوان الله عليهم الذين خشيوا أن يُكتَبون من أهلِ النفاق عند الله تعالى ولم يخشوا أهل الباطِل؟ (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) هنا مرة أخرى ربط الله تعالى الخشية بالإيمان فمن خشي أهل الباطل أكثر من خشيته من الله فإنَّهُ ضعيفُ إيمان والله لا يُحب المؤمن الضعيف. وأنتَّ أيٌّها القارِئ إن لم تُحدِّث نفسك بالجهاد في سبيل الله فاعلم أنَّكَ لست من أهل الإيمان كما قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ) رواه مسلم.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة