المظاهرات الفرنسية.. عندما تتجسد الكرامة في سترة صفراء!

Yellow vests protest in Paris- - PARIS, FRANCE - DECEMBER 08: A yellow vests (Gilets jaunes) protester stands with French flag among smoke as French police use tear gas during demonstration against rising oil prices and deteriorating economic conditions in Paris, France on December 08, 2018.

من المعروف أن الانتفاضات والثورات لا تأتي عبثا، وأن الضغط وإن طال سيعقبه انفجار لكن لا أحد يعلم من سيكون الضحية، منذ سلسلة الانتفاضات التي شهدها العالم العربي، تغيرت كثير من الموازين ومن القيم والثوابت، وأدرك الفرد العربي أن العدو الوحيد والأوحد، الذي لطالما خوف منه منذ صغره، لم يكن إلا غطاء لستر أعداء آخرين يسكنون معه نفس البيت ويأكلون نفس الطعام.

ألقى الذي حدث في تونس وانتقل لبقية البلدان بظلاله على الحياة العربية، وأفرز مفاهيم ومصطلحات جديدة لم تكن في القاموس العربي، في حين أخذت مصطلحات قديمة توجهات ومعاني أخرى، إذ عرت تلك الانتفاضات الحقد والعنف والتراكمات التاريخية التي كانت جاثمة داخل وعي ولا وعي الفرد العربي، وأبرزت إلى أي مدى تغلل العنف وحب القوة وحب الانتقام فينا، وأعطى للغرب الحجة الظاهرة والبينة ليثبت لأجياله أن العربي ليس سوى همجي بربري يسكن الصحاري ويتغذى من لحم البشر، وأن الثروات التي يملكها هو لا يستحقها لأن حدود تفكيره لم تتجاوز تلك للحدود التي رسمها سايكس بيكو.

في حين كانت تلك الثورات ونتائجها البشعة التي لا زلنا نحصد مساوئها لليوم، تجسيدا للخوف الذي يعايشه العربي من خطواته الأولى في الحياة. وأصبح كل من يريد لبلد التغيير نحو الأحسن أو حتى النصح والنقد خائنا وعميلا وينفذ أجندة خارجية تريد ببلداننا الهلاك، وتعاظمت صورة الديكتاتور في أذهاننا، والصنم الذي يعبد ما لبث أن أصبح أصناما، وتفشى الفساد أكثر وأكثر، وأصبحت بلدان مثل سوريا واليمن وليبيا مضرب للمثل لكل من يفكر للحظة أن أحوالنا ليست كما يجب ويمكنها أن تصبح أحسن. وجسدنا تماما مقولة تشومسكي حتى تتمكن من السيطرة على شعب اجعله يعتقد أنه هو سبب تخلفه.

السترة الصفراء ليست إلا دليلا ورسالة للعالم أن الاختلاف هو الذي جعل منهم أمة لا تقهر ثقافيا واقتصاديا وعلميا فحتى إن كانت لا تحمي من الرصاص لكنها فهي تحمي من الذل والمهانة والعار

سيقول الكثير كل ما قلته معروف وتحصيل حاصل ماذا بعد، الما بعد هو ماذا لو حافظنا على كل أحداث الرواية فقط غيرنا المكان والفضاء وتقدمنا بالزمن سنوات قليلة ماذا كان سيحدث؟ هذا هو الذي يشغل العالم منذ أربع أسابيع، الشارع الفرنسي ينتفض، باريس تتزين بالأصفر الجميل فاقع اللون ليس استعداد لحفل من حفلاتها السنوية والمتعددة، وإنما استعداد لمنعرج جديد من تاريخ فرنسا المعاصرة وتاريخ العالم، فرنسا التي ينظر إليها اليوم أغلب الشباب العربي أنها الجنة الموعودة، هي الأخرى ضاقت بأهلها وأناسها، فالجوع كما يقال كافر، والجائع كما يقول درويش يأكل لحم مغتصبه، ولا يصبر على الجوع إلا من يمرغ أنفه في حضرت سلاطينه صباح مساء.

 

ومن المستحيل أن يكون الشعب الفرنسي كالعربي، أو يكون المسؤول الفرنسي كالديكتاتور العربي، فها هي الأزمة تقارب الشهر ولم يسمع أحد يقول، هناك أيادي خفية تعبث بمستقبل فرنسا، ولم يسمع أحد يقول هؤلاء تحركهم الدولة الفلانية، ولم تر قناصا يصطاد المتظاهرين كالأرانب، هنا يكمن الفرق الجسيم، هنا نلمس الاختلاف بين ثورة الدماء التي تحركها النزوات الفردية، وبين ثورة جياع تحركها عقول مفكرة ومثقفون أحرار، لم يتورطوا يوما في تلميع صورة طاغية، هنا تدرك أن للثورات مهدا وأن للتغيير أناسه، فالجميع بما فيهم الحاقد والموالي لفرنسا يعترف بفضلها على العالم رغم جرائمها البشعة ضد الإنسانية في كثير من محطات التاريخ.

لهذا من المستحيل أن يحصل في فرنسا ما يحصل في البلدان العربية، فحتى زوال رئيس لن يؤثر فيها لأنهم شعب أدركوا منذ القديم أن العدو الوحيد هو المتخلف والمختلف، لهذا لن تنهار فرنسا لأنها بنيت على أسس صحيحة منذ القرن السادس عشر، وليست العدالة والحرية والمساواة شعارات جرائد وإعلام غير احترافي بل هي جزء من الكيان الفرنسي وما يحدث اليوم هو اختلال في إحدى هذه الأثافي، واختلالها يعني تهديد لكرامة الفرنسي الذي يعرف بأناه منذ التاريخ الغابر، لهذا السترة الصفراء ليست إلا دليلا ورسالة للعالم أن الاختلاف هو الذي جعل منهم أمة لا تقهر ثقافيا واقتصاديا وعلميا فحتى إن كانت لا تحمي من الرصاص لكنها فهي تحمي من الذل والمهانة والعار.