الاتحاد الأوروبي ومأزق الهجرة غير الشرعية

يعود تأسيس أول تجمع أوروبي إلى 18 أبريل 1951 عندما اجتمعت ست دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا واتفقت على تشكيل المجموعة الأوروبية للفحم والصلب والتي ستشكل نواة قيام المجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم الاتحاد الأوروبي. طبيعة هذا التجمع كانت تستهويني، الأمر الذي جعلني وقتها أخصص بحثي لنيل درجة دبلوم الدراسات العليا العالي في الدراسات الدبلوماسية عن الاتحاد الأوروبي، فكنت مبهوراً جداً بفكرة الاتحاد هذه برغم المكونات الإثنية والثقافية المختلفة والتي كانت الهدف الأساسي لهذا الاتحاد كعنوان لقارة سيدة ومنيعة.

 

هذا الإعجاب ما لبث أن تلاشى بعد معايشتي اللصيقة لهذا الكيان ومؤسساته التى هرمت في المهد، فرأيت تدوين ملاحظاتي هذه في سلسلة أسميتها (سلسلة الاتحاد الأوروبي من الداخل)، وهي سلسلة من (5) مقالات بحثية تتناول بالبحث العميق الواقع الحقيقي للاتحاد الأوروبي والمشاكل الحادة التي تعصف به وتنخر في عظمه، والتي شكلت قاعدة هشة يقف عليها هذا الكيان بحيث جعلته عرضة للسقوط في أية لحظة.

بدأت كتابة هذه السلسلة بمقال (بلجيكا مقر الاتحاد الأوروبي مهددة بالتقسيم)، الجدير بالذكر أن تأسيس مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل لم يكن محض صدفة بقدر ما هو اعتراف أوروبي صريح وقتئذٍ للبلجيك بقدرتهم على التآلف الوطني برغم تباين المكونات الإثنية والثقافية. وتناولت في المقال الذي يليه (اليورو: إلى أين يقود الأم العجوز؟) وهو الأبن الذي قصد منه عاملاً للوحدة فأصبح في عيد ميلاده العاشر إبناً عاقاً زاد من معاناة أمه العجوز.

وخصصت المقال الثالث لبحث فرضية أن الهجرة غير الشرعية لدول الاتحاد الأوروبي مهدد حقيقي لبقاء هذا الكيان، وسأتناول في المقال الرابع السياسة الدفاعية للاتحاد الأوروبي واعتمادها على حلف شمال الأطلسي (الناتو) مما يشكل عقبة أمام وحدة دفاعية كاملة. وسأتختم حلقات هذه السلسلة بمقال عن الحركات الانفصالية بدول الاتحاد الأوربي وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة الرافضة أساساً لفكرة الاتحاد.

حذرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من أن الوصول لحل لأزمة المهاجرين ما زال بعيدا وأن طريقة التعامل مع أزمة المهاجرين ستؤثر على شكل أوروبا على المدى الطويل

سأبدا نشر هذه السلسلة بمقال الهجرة بالرغم من أن هذا المقال أتى لاحقاً من حيث الترتيب، لأن وتيرة هذه الهجرة المتسارعة خلال النصف الثاني من عام 2017 وعام 2018 وما تبعها من أحداث قد تؤدى إلى انفضاض هذا النادي الأوروبي قبل أن أكمل حلقات هذه السلسلة.

كيف نسيت القارة العجوز ماضيها بهذه السرعة؟ فبعد الحرب العالمية الأولى تحول الملايين من المدنيين الأوروبيين إلى لاجئين واضطروا إلى الخروج من ديارهم وأوطانهم بسبب احتلال أرضهم أو ترحيلهم. فبعد قرن من الزمان أوروبا الآن هي التي تملك القدرة اللازمة لتوفير الملاذ الآمن لليائسين، ولكنها لم ترتفع إلى مستوى المسؤولية. فالأمر المحبط والمخيب للآمال هو أن العديد من الأوروبيين استجابوا لهذه الأزمة الإنسانية التي تشبه إلى حد كبير الأزمة التي تحملتها أوروبا قبل قرن من الزمان، بمعارضة قبول بلدانهم أي عدد إضافي من اللاجئين.

في القرن الماضي أثناء الحربين العالميتين كان الأوروبيون هم الفارين من الاضطهاد، ومع بلوغ أعداد النازحين الآن مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية فإن أوروبا لديها مسؤولية تتمثل في تذكر تاريخها، وينبغي عليها أن تغتنم الفرصة للاستجابة لأزمة اللاجئين اليوم كما كانت تحب أن يستجيب العالم لمعاناتها، وأن تثبت أن قيم الاتحاد الأوروبي تمتد إلى ما هو أبعد من حدوده.

أفق الأزمة ومحاولة إيجاد الحلول:

أوروبا واقعة الآن في مأزق أخلاقي كبير. من جانب إنها لا ترغب في تشجيع المهاجرين، ومن جانب آخر لا ترغب في أن تتركهم يموتون، لأن الحكومات الأوروبية ستواجه نقدا داخليا إذا ما تدخلت، ومأزق أخلاقي كبير إذا لم تتدخل في هذه القضية.

تعددت الأساليب والإجراءات الأوروبية لمواجهة استفحال قضية الهجرة غير الشرعية إليها منذ أن بدأت موجات الهجرة تتدفق إليها خلال الفترة الممتدة من الثلاثينيات وحتى الستينيات من القرن الماضي والتي كانت أوروبا في حاجة إلى الأيدي العاملة، لم تكن قد أصدرت قوانين تجرم عملية الهجرة غير الشرعية إلى أراضيها. ولكن مع أوائل السبعينيات، شعرت الدول الأوروبية، نسبيا، بالاكتفاء من الأيدي العاملة، مما جعلها تتبني إجراءات قانونية تهدف إلى الحد من الهجرة غير الشرعية. وقد ازدادت هذه الإجراءات مع بداية تطبيق اتفاقية شنجن التي دخلت حيز التطبيق، بدءا من يونيو 1985، والتي تسمح لحامل تأشيرة أي دولة من الدول الأوروبية الموقعة على هذه الاتفاقية بالمرور في أراضي بقية الدول.

 

ومنذ عام 1995، أخذت هذه المرحلة طابعا أمنيا، لجأت من خلاله الدول الأوروبية إلى نهج سياسة أمنية عبر تنفيذ مقررات القانون الجديد للهجرة، والذي يستند إلى تبني إجراءات صارمة بخصوص مسألة الهجرة وقد انطلق النقاش في الدول الأوروبية حول قضية الهجرة غير الشرعية إليها، وموضوع طلبات اللجوء في عام 1999. لكن السعي إلى إيجاد سياسة أوروبية موحدة بين كافة بلدان الاتحاد لم يتضح إلا في قمة سالونيكي التي عقدت في 19 يونيو 2003.

أدى وصول نحو أكثر من مليون مهاجر إلى أوروبا إلى ظهور انقسامات عميقة داخل الاتحاد الأوروبي، فقد حذرت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل (أكبر المتعاطفين مع المهاجرين) من أن الوصول لحل لأزمة المهاجرين ما زال بعيدا وأن طريقة التعامل مع أزمة المهاجرين ستؤثر على شكل أوروبا على المدى الطويل.

أوروبا الموحدة والمشتتة تجاه قضية المهاجرين لن تستطيع النأي بنفسها عن حقيقة أن المهاجرون قد أصبحوا بالفعل جزءا من الداخل، وليس أمام المجتمع الأوروبي بكل أطيافه سوي التعامل مع الأمر الواقع 
 

وبالرغم من تأييد وزراء دول الاتحاد الأوروبي حصصا إلزامية لتقسيم 120 ألف لاجئ بين الدول الأعضاء كانت هناك معارضة شديدة من قبل بعض الدول وتم تمرير التصويت بالأغلبية. وقد هاجم حينها وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس ما وصفها بالسياسات المخزية التي يتبعها بعض من دول أوروبا الشرقية، والمجر على الأخص، تجاه اللاجئين، حيث قال فابيوس: فيما يتعلق لأولئك الذين يجبرون على ترك بلدانهم لأسباب سياسية، علينا ان نرحب بهم. وعلى كل الدول التجاوب مع ذلك، وأرى ان تصرف الدول التي ترفض استقبال المهاجرين تصرف مخز.

 

وأضاف: ويتعلق ذلك تحديدا بدول أوروبا الشرقية، التي تتسم معاملتها للمهاجرين بالقسوة المفرطة. إن المجر جزء من أوروبا التي لها قيم معينة، ونحن لا نحترم هذه القيم عن طريق تشييد الجدران. في إشارة إلى تشييد المجر لجدار على طول حدودها مع صربيا لاحتواء ما وصفته بالتهديد الذي يشكله المهاجرون لأمن ورخاء وهوية أوروبا.

وقد انتشرت في السنوات الأخيرة فكرة أن المسلمين في سبيلهم لأن يصبحوا أغلبية عددية في أوروبا، وذلك لتزايد أعداد المهاجرين من المسلمين، ولارتفاع نسبة الخصوبة، ومعدلات المواليد بين الجاليات المسلمة عنها في المجتمعات الأوروبية ككل. والتي تلعب دورا كبيرا في انتشار مشاعر العداء للمسلمين بشكل هيستيري في المجتمعات الأوروبية. فالحديث العلني من قبل الرسميين عن خوفهم على الهوية المسيحية لأوروبا بسبب هجرة أعداد كبير من المسلمين إليه يؤكد عجز المشروع الأوروبي عن تقديم هوية بديلة للهويات القومية التي عمل على إضعافها، ويثب فشل فكرة التعددية الثقافية، وهويات ما بعد الحداثة، والأساس الذي قام عليه الاتحاد الأوروبي، أي تجاوز الانتماءات الإثنية والقومية التي كانت سبباً في اندلاع صراعات عنيفة في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين.

يتواصل الجدل الرسمي داخل أوروبا بين مؤيد ومعارض لسيل الهجرة دون الاتفاق على طريق موحد للاتحاد الأوروبي لحل هذه المعضلة، الا أن أوروبا الموحدة والمشتتة تجاه هذه القضية لن تستطيع النأي بنفسها عن حقيقة أن المهاجرون قد أصبحوا بالفعل جزءا من الداخل، وليس أمام المجتمع الأوروبي بكل أطيافه سوي التعامل مع الأمر الواقع بجميع أبعاده للمحافظة على أوروبا موحدة مستقلة وتعيش في سلام. أو التخلي عن حلم الوحدة الاوروبية بالكامل أو كما قال رئيس وزراء سلوفينيا ميرو سيرار بلهجة تحذيرية: إذا لم نتخذ خطوات فورية وملموسة على الأرض أعتقد أن الاتحاد الأوروبي برمته سيبدأ بالانهيار. ولعل تصويت البريطانيين لصالح خروجهم من الاتحاد الأوروبي كنتاج لذلك يمثل أكبر انتكاسة يشهدها الاتحاد الأوروبي لأنصار فكرة الوحدة الأوروبية.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة