معرض الكتاب.. أصبح للسيلفي وليس للقراءة!

blogs قراءة

هل مجتمعنا بحاجة لأن يفهم واقعه أكثر، أم أنه بحاجة إلى إعادة تصحيح أفكاره؟ نحن شعب لا يقرأ لكنه مثقف ويفهم في كل شيء، الحقيقة أثار معرض الجزائر الدولي للكتاب هذا العام فضولي كثيرا، فوباء الشهرة تفشّى بطريقة عجيبة دفعتني لمراجعة ذكريات سنواتٍ مضت، حينما كنت أُحضٍّر أطروحة الدكتوراه وأذهب إلى المعرض من أجل اقتناء الكتب المناسبة لموضوعي أنا وزميلاتي ويا فرحتنا حينما تتبقى قطع نقدية من المبلغ الذي جمعناه، نستطيع من خلالها شراء الروايات والكتب التي نحلم بقراءتها بعيدا عن التخصص، إذ حدث ذات مرة أن اشتريت روايتين.

 

طيلة الطريق وأنا أترقب الوصول إلى غُرفة الإقامة من أجل التهامهما، إذ كانت الحافلة كعلبة السردين لم أجد فُرصة لأتنفس حتى أجد زاوية لأفتح الكتاب وأستمتع، كنت شبه فاقدة للوعي حينها تحول وجه صديقتي للأصفر من الفزع لكن أحد الجالسين انتبه فنهض من مكانه بعد أن تشجعت وجلست على أرضية الحافلة المتسخة قائلة في نفسي تتسخ ثيابي خير من أن يُغمى علي فأكون فُرجة للرُّكاب، بل ستسبقني صوري إلى مواقع التواصل سأصدقكم القول كنت فخورة بابن بلدي فلا يزال هناك رحمة، جلست وفتحت النافذة على مصرعيها فتنفست كل الحافلة الصعداء.

أُريد أن أوصل عبرة مفادها أن معارض الكتاب ليست مسرحا للتمثيل وعرض الأزياء أو التقاط الصور من أجل التفاخر بها على الفيسبوك والانستغرام، أين الخصوصية في ذلك؟ ربما هناك من لم يزر معرض الكتاب في حياته، سيتألم من تصرفات البعض غير المفهومة، إذ أعتبره مرض نفسي خطير، فالسيلفي في كل زاوية: "أثناء حمل الكتاب، حين فتحه، مرة ابتسامة وفي أخرى تكشيرة فما هذا يا عالم! اممم حسنا لا دخل لي لكن قلمي تحسّس وعلاجه الوحيد سكب الحبر ومزج الحروف".

سنضع أقلامنا على الجرح لربما يندمل يوما، فالشباب ضائع لا يفهم من الموهبة شيئا سوى الربح المادي ودور النشر تتعامل مع الأحلام والطموحات بمنطق التجارة شطارة

لم يكن معرض الكتاب من أربع سنوات مضت بمثل هذا الهرج والمرج، نادرًا ما يطلب منك شخص تصويره والأكثرية مجموعة أصدقاء يأخذون صورة للذكرى فلربما لن تجمعهم الحياة مجددا، كان الجميع يتسابق من أجل زيارة أكبر عدد من دور النشر فلا يُفوِّت مطالعة أكبر عدد من العناوين: أتذّكر في إحدى المرات شاركت دار نشر عراقية، كان المسؤول عنها متعجبًا من حب الجزائريين للعلم والقراءة يُرافقه صحفي من اليمن استغل تواجدنا فطرح علينا أسئلة جدّية باعتبارنا طلبة، على حدِّ قوله فئة الشباب مهمة في نهضة الأمم إذ لم يخطر على بال ولا أحد منا التقاط صورة أو التباهي بها.. لم أتذكر اسم الصحفي لكنه كان مشهورا واستغرب من عدم تعرفنا عليه، وفي ذلك الوقت بحثت عن اسمه وتأكدت من أنه صحفي وكاتب معروف على الساحة العربية، لكنه كان متواضعا، إذ لم ينزعج من عدم تعرفنا عليه بالعكس استمر في حواره الجميل.

لم أطرح هذا الموضوع للاستهزاء، بل من شدة الألم، فالجميع يلهث وراء الشهرة والحصول على عدد كبير من الاعجاب، كما أخبرني الكثير من الأصدقاء أن الكتب مرمية على الأرض في حالة مزرية يصفعها الغبار والأرجل من كل النواحي، لم يعد هناك احترام لقيمة الكتاب من طرف دور النشر للأسف فهل يستحق كتاب تعب كاتبه من أجل أن يخرج للحياة، سهر من أجله الليالي، بدل فيه مجهودا ماديا لا يعلمه إلا الله ، فيتم رميه على الأرض بلا قيمة تُذكر، بل أعلى قيمة له أن يتم أخذ سيلفي معه… ذاك ما يتماشى مع مقولة سيلفي ودار النشر من خلفي، يا للأسف هذا زمن المظاهر والعقول الخاوية.

سنضع أقلامنا على الجرح لربما يندمل يوما، فالشباب ضائع لا يفهم من الموهبة شيئا سوى الربح المادي ودور النشر تتعامل مع الأحلام والطموحات بمنطق التجارة شطارة، لم تعد هناك ثقة فيما يُنشر ولن نخرج من هذه المتاهة إلاّ بإعادة القيمة للقراءة فما أهمية أن تشتري كتابا وترمي به في الدرج أو الرفوف دون أن تطالعه، يجب الابتعاد عن المظاهر التافهة فالشهرة اليوم متاحة للجميع: "عليك أن تلبس ما يتماشى مع الموضة، تُعلن عن خصوصياتك وتحركاتك اليومية، تلتقط صورا مع فلان وعلان، حينها ستتحول إلى قدوة".

السيلفي لن يُعيد لنا جمالية اللحظة التي لم نعشها حينما كنا مشغولين بالإضاءة المناسبة، لن تكون لنا ذكريات جميلة، بل مجرد صورة التقطناها باحترافية لأجل أن يُعجب بها الجمهور في العالم الافتراضي
السيلفي لن يُعيد لنا جمالية اللحظة التي لم نعشها حينما كنا مشغولين بالإضاءة المناسبة، لن تكون لنا ذكريات جميلة، بل مجرد صورة التقطناها باحترافية لأجل أن يُعجب بها الجمهور في العالم الافتراضي
 

ستظهر تداعيات هذه الأمراض المزمنة التي وجدت لها موضِعًا في مجتمعاتنا في المستقبل القريب، حينما تتم تربية الأطفال على أفكار قاتلة، خطرها يكمن في فراغها وتفاهتها، فهل هناك أبشع من عقول لا تُفكِّر، تستهلك فقط. وباء الشهرة لن يدوم طويلا! استنادًا على آخر تقارير الأمم المتحدة: "التي نصت على حدوث توازن عقلاني في عام 2020، أي ترجع المجتمعات إلى صوابها، تتلاشى الشهرة الزائفة، إذ سيتم تسليط الضوء على الفئات الحقيقية التي تُقدّم إبداعات تخدم البشرية، سيقل وهج مواقع التواصل فنعود إلى واقعنا.

عرفت هذه الحقائق من حصة تُبث في التلفزيون، بقيت راسخة في ذهني لربما كنت بحاجة إلى جرعة أمل تقضي على هوس الافتراض الذي دمّر حياة الكثيرين، لو فقط نُبصر ما يجري حولنا فنحن نعيش حياة الآخرين نُتابع تفاصيل يومياتهم، نسينا أن نعيش حياتنا التي قد نُغادرها في لمح البصر، لو نتخلّى عن جنون المقارنة، وحب الظهور رغما عن الظروف، فالسيلفي لن يُعيد لنا جمالية اللحظة التي لم نعشها حينما كنا مشغولين بالإضاءة المناسبة، لن تكون لنا ذكريات جميلة، بل مجرد صورة التقطناها باحترافية لأجل أن يُعجب بها الجمهور في العالم الافتراضي.

للأسف معرض الكتاب لهذا العام نِصفه مهزلة، لم أذهب إليه بل تفرّجت على تفاصيله من خلال الصور المنشورة في مختلف الحسابات، فهذا حزين لأنه ذهب بثياب قديمة فكانت الصورة غير ملائمة للحدث وأخرى لم تقتني حذاء بكعب فكيف ستوقع كتابها؟ آه ما هذه الورطة! لست أعمم، بل أردت الإشارة إلى بعض التفاصيل، فالإعلام ينقل ما يُشتِّت المشاهد عن الحقائق، طبعا هو بحاجة إلى جذبه من أجل أن يكسب، والمغزى ها هنا هو الربح فقط، حتى لو كان على حساب وعي المُتابِع.

أقول في ختام المقال: "من يُريد أن يستمتع بمشاهدة آخر صيحات الموضة فما عليه إلاّ أن يُسارع إلى معرض الكتاب. من يريد أن يلتقط صورا لمواضيع صحفية راهنة مثيرة للجدل فليذهب أيضا إلى معرض السيلفي في طبعته الثالثة والعشرين. قد يكون عنوان مقاله وباء الشهرة: كيف نُفكِّر كالمشاهير؟ فنحن في زمن الشهرة والتنافس على الأضواء".