لماذا فقد العرب شغف القراءة؟

blogs قراءة

عندما تتأمل العالم اليوم يبدو واضحا من خلال نسبة معدلات القراءة أن الدول المتقدمة تتصدر الرتب الأولى، بينما نكاد نحن لا نذكر، فالفرد العربي يركض نحو توفير مشربه ومأكله وسكنه غير مبال بأمر القراءة باعتبارها أمرا لا بد من الاستغناء عنه، فهو يهتم فقط لما يبقيه على قيد الحياة دون أن يعي أن القراءة ضرورة وأولية تهدف لتحسين جودة حياته. وبالتالي فهذا يجعلنا نتساءل: لماذا الفرد العربي ليس قارئا شغوفا؟ ومن المسؤول الأكبر عن ذلك؟ ولماذا يجب أن نقرأ؟ 

إن المقصود بالقراءة هنا تلك التي تنم عن الرغبة والشغف وحب المطالعة والمعرفة ولست أتحدث عن القراءة الإجبارية أو ما يتحتم عليك قراءته والاطلاع عليه أثناء مسارك الدراسي والتعليمي وما إلى ذلك. إن نسبة معدلات القراءة المتدنية إلى شبه المنعدمة في المنطقة العربية تعود لعدة أسباب وقد لا تكون دائما عزوفا عنها بقدر ما هو عدم معرفة القراءة من الأساس، إذ ليس بمقدورنا غض الطرف عن نسب الأمية المرتفعة في العالم العربي، حيث ما نزال نتحدث عن إنسان لا يعرف الكتابة ولا القراءة في الوقت الحالي، وهذه معضلة وجب الإسراع في خلق ما يساعد على التخفيض منها، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى هناك عزوف عن القراءة حتى ممن يفترض منهم ذلك لأسباب كثيرة ومتنوعة بدء من مجموع العوامل المؤثرة في تنشئة إنسان المنطقة وحتى الظروف المحيطة به، حيث تعتبر القراءة من وجهة نظر البعض كماليات لا يتم ممارستها إلا حينما تحظى بالرفاهية في المأكل والمشرب والملبس والسكن، ويرى آخرون أن القراءة حكر على فئة معينة من الناس دون الأخرى، وهذا اعتقاد خاطئ لا بد من دحض صحته.

أظن أننا اليوم وخصوصا مع انتشار التكنولوجيا وسهولة وصول المعلومة نعي جيدا ضرورة ووجوب القراءة لنهضة الأمم، ونحيط علما بوضعنا الحالي في العالم ولكننا نكتفي فقط بالتحسر على حالنا، وهو أمر غير نافع ولا يغير من واقع أمتنا شيئا. نحن وبلا شك صرنا على دراية بالخلل الذي يعيق مسيرتنا نحو ركب الحضارة والتقدم ولكننا ربما نتفاداه ولا نود أن نصلحه.

نحن اليوم في حاجة لإعلام يرفعنا لمستوى معرفي أكبر ويحارب الجهل ويدعوا للتسلح بالكتب وينشر شغف القراءة وحب الاستطلاع بين الناس لا أن ينزل إلينا ويتغدى على جهلنا

فالمتأمل اليوم في التلفزيون العربي وفي ما يعرضه يستغرب كثرة البرامج التافهة والمسابقات الغنائية ولست هنا أنتقد مسابقات المواهب الغنائية لكنني أنتقد كثرتها في حين حبذا لو كانت برامج ومسابقات القراءة والتشجيع عليها بكثرتها، كما أن تكلفة هذه البرامج تكفي لترجمة العديد من الكتب كما قد تساهم في بناء عدة مكتبات، وهذا فقط من باب تقديم الضروريات على ما هو دون ذلك.

طبعا للإعلام الحصة الكبرى من العتب من دون أن نسثتني باقي الفاعلين وأصحاب القرار في المجتمع، إن الإعلام اليوم بكافة أدواته هو قوة تصنع مجد أمة وتحط من قدر أخرى، فإذا كانت هذه الأدوات تروج للمثل الأعلى والقدوة على أنه شخص أو أشخاص ليسوا على قدر كاف من الثقافة ولا يجيدون أساليب الحوار وأدب الحديث وتستضيفهم وتسلط الضوء عليهم في حين يتم تغييب من هم أحق بالاستضافة من أدباء وعلماء وفنانين واعيين ومثقفين فإقرأ السلام علينا. وإنني هنا لا أعمم ولا أنفي وجود مبادرات ولفتات جيدة وبرامج هادفة غير أنها تعد على أصابع اليد الواحدة وما أحوجنا إلى المزيد الكثير منها.

نحن اليوم في حاجة لإعلام يرفعنا لمستوى معرفي أكبر ويحارب الجهل ويدعوا للتسلح بالكتب وينشر شغف القراءة وحب الاستطلاع بين الناس لا أن ينزل إلينا ويتغدى على جهلنا ويشطحنا ويدوخ عقولنا ويزرع فينا فساد الذوق.. وأدعو لذلك لكون الإعلام له تأثير على الأسرة وهذه الأخيرة على تنشئة الطفل، باعتبار الإعلام عملية تغير اتجاهات الأفراد وأفكارهم وتؤثر عليهم وتحركهم للعمل في اتجاه معين من أجل تحقيق هدف ما، وهو قوة قادرة على تغيير البنيان الأخلاقي والمعرفي للمجتمع.

كما أنه وفي الآونة الأخيرة أصبح مساهما وطرفا لا يمكن إنكاره في عملية تنشئة وإعداد الطفل بل وفي أحيان كثيرة أكثر من الأسرة نفسها وخاصة مع انتشار الأمية الأسرية، فإذا اعتبرنا الأسرة كمدرسة أولى للطفل فإن الأسر المتعلمة تبقى أكثر قدرة على إعداد وتوجيه الطفل وتتبع مساره وحثه على التعلم والمعرفة وذات احتمال كبير للبقاء كوحدة نافعة له مقارنة بالأسر الأمية التي تأمل فقط بأن يحظى بمستوى اقتصادي واجتماعي جيد عندما يكبر. ولا أقول ذلك بغرض التجريح وإنما لأشيد بأهمية توعية الأفراد وتثقيفهم بلغة قريبة منهم وسهلة عليهم وتقديم إعلام هادف وذو رسالة نبيلة لهم لننهض بهم جميعا نحو غد أفضل وجيل أكثر وعيا وحبا للمطالعة والقراءة.

ما كان عبثا أن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم (اقرأ) إلا وأنها إن صح التعبير بيت القصيد والكل في الكل، فحتى الدين نفسه سيصعب على الناس فهمه بلا قراءةما كان عبثا أن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم (اقرأ) إلا وأنها إن صح التعبير بيت القصيد والكل في الكل، فحتى الدين نفسه سيصعب على الناس فهمه بلا قراءة
 

لقد غدا سهلا اليوم الحصول على الكتب ومجانا، وخصوصاً مع توفر وسائل التكنولوجيا. ورغم ذلك فلابد من توجيه أسري واعلامي إلى المزج بين الترفيه والمعرفة والتكنولوجيا من خلال حث وتشجيع الفئات العمرية الشابة على تحميل وتخزين الكتب في أجهزتهم الذكية والرجوع إليها بين الفينة والأخرى وقراءتها بالإضافة إلى تنزيل بعض التطبيقات التي تهتم بالكتب كتطبيق غودريدز الذي يسمح لهم بتقييم ما أتموا قراءته ويمكنهم من كتابة مراجعة له أيضا.

تقول سيمون دو بوفوار: (في طفولتي، وأثناء مراهقتي، الكتب انقذتني من اليأس والضياع، وهذا ما رسخ بداخلي أن الأدب هو أعلى القيم) والذي يمعن النظر اليوم في أطفالنا ومراهقينا يلحظ التشتت والضياع والصبيانية طاغية على سلوكه الناتج عن اللاوعي وعن التقليد الأعمى وغياب التوجيه نحو ما هو صالح ونافع وأقصد هنا التوجه إلى القراءة واكتسابها كعادة وروتين، ففعل القراءة يرقى بالإنسان إلى مراتب سامية وينمي لديه حس فضول المعرفة والعلم والافكار بدل اهتمامه بشؤون غيره وبما لا يعنيه، وتملأ وقت فراغه بما فيه نماء له ولبلده، فهي تربي وتؤدب الفرد وتهذب ذوقه وتكسبه وعيا.

فما كان عبثا أن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم (اقرأ) إلا وأنها إن صح التعبير بيت القصيد والكل في الكل، فحتى الدين نفسه سيصعب على الناس فهمه بلا قراءة ولن يستطيعوا التمييز بين ما هو من هذا الدين وما هو دخيل عنه. إن القراءة والمعرفة هي أساس بناء الإنسان، فهي تنتج وعيا والوعي يصنع الحضارة. وهنا أستحضر قولة المفكر والشاعر ميخائيل نعيمة، وليس هناك ما هو أفضل منها لأختتم به مقالتي، قال: "عندما تصبح المكتبة ضرورة كالطاولة والسرير والكرسي والمطبخ؛ عندئذ يمكن القول بأننا أصبحنا قومًا متحضرين".



حول هذه القصة

يتواصل بالولايات المتحدة التصويت بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس وسط استقطاب حاد بين الديمقراطيين والجمهوريين، وسيحدد الاقتراع خريطة السيطرة على مجلسي الكونغرس، وينظر إلى الانتخابات على أنها استفتاء على أداء ترامب.

6/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة