مواقع التواصل الاجتماعي.. هل أصبحت حياتنا الخاصة مشاع؟!

ظهرت صفحات التواصل الاجتماعي المتعددة الأنواع والأشكال كمنجز حضاري عظيم، أفرزته العقول العملاقة المبدعة عبر التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصال. وهي مجموعة المواقع الإلكترونية المتاحة على الشبكة العنكبوتية، والتي يستعملها الناس لغايات التواصل والتفاعل. ورغم أنها حققت أغراض التواصل السريع وغير المكلف بين الأصدقاء، وردمت القطيعة بين أفراد الأسر، واختزلت المسافات بين الشعوب، إلا أنها من ناحية أخرى أثّرت على العديد من المجالات الحياتية بشكل سلبي، بحيث سلبتنا مواقع التواصل الاجتماعي الدهشة لرؤية أشياء جديدة وجميلة، حتى أصبح كل ما نراه عاديا جدا.

وبات الذي لم يكن متاحا لنا مشاهدته وكان يعني لنا الكثير في متناولنا يوميا، لكن بطريقة وهمية تنمي في أعماقنا ألف رغبة أن نحياها ولم تسعفنا تبعيات الحياة وظروفها لخوضها. ومن نافلة القول أيضا أن كل شيء أصبح مكررا ومستهلكا، فمن كل نسخة للصورة أو المنشور هناك ملايين النسخ غيّبت مفاهيم المتعة البسيطة، وصرنا جثث ملولة، كأننا بلغنا قمة التقدم والرقي ولم يبق على اللوحة إلا مشهد المثالية الكاذبة. سلبتنا أيضا الصدمة من الأشياء المخيفة القاسية، فلم نعد نهتم لجريمة قتل نشرت أحداثها، ولا أن تقشعر أجسامنا لمحاولة انتحار أو حادث افتراس. وصار من الطبيعي جدا أن نشاهد مقطع فيديو لذبح عشرين رجلا ونحن نستمتع بوجبة طعام شهية، كيف لا وهو النافذة المفتوحة أمام كل الثقافات والتي من ضمنها ما يتعلق بترويج قيم الفساد ونشر الجريمة والتطرف وتعزيز الخبرات والتجارب الإجرامية.

ثم إن بيوتنا فقدت خصوصيتها وأسرارها، حتى صارت معظم البيوت من قوانينها أن لا تمتد يد إلى الطعام قبل اِلتقاط صورة للفيس بوك، وهناك أطباق تصنع لتصور في الإنستغرام فقط، وهناك ثياب تشترى لحصاد إعجابات وتعليقات رأس السنة، أو الأعياد الدينية، وهناك خلافات زوجية تناقش على الملأ، وصور مخلة يبدي رأيه فيها كل من هب ودب. وأنا لا أعرف حتى اللحظة ما المراد إيصاله من شخص أراد النوم فكتب منشورا قائلا "الأن سأنام".. الحمد لله أنه أخبرنا بذلك، كان العالم كله واقفا على أعصابه خشية ألا ينام، ولقد صار بإمكان هذا الكوكب أن يكمل حياته بعد أن اطمأن على نومه المبارك، ريثما يستيقظ جلالته ويطمئن على رصيد التفاعلات والتعليقات ويصور لنا فنجان قهوته مرفقا بكتاب، أغلب الظن أنه لن يفتحه، إذ من المحال أن تجتمع الثقافة والتفاهة في آن واحد.

أبعدتنا مواقع الاتصال عن الواقع كثيرا، وحرمتنا من المشاعر الحقيقية ولذّتها وهذا ما يؤدي إلى النقص في الشعور بالانتماء الاجتماعي

ولكل إنجاز صورة لحكاية مجد باهرة، يصدق تسويقها الأجيال البسيطة، وتلتمع عيونهم نحوها وتلتقطها مشاعر الغيرة والحسد والكثير من الأمراض النفسية بسبب مقارنة حياتهم العادية بحياة الآخرين. ففي دراسة كانت تضم 600 شخصًا بالغًا أقرّ ثلثهم أن وسائل التواصل الاجتماعي تشكل لديهم مشاعر سلبية، وأن المتسبب في ذلك هو إضافة أصدقائهم مزيدا من الصور المبهجة إلى ملفاتهم الشخصية على الأنترنت. وهذه الخصوصيات الفردية المشاعة تفتح المجال أيضا لعمليات الابتزاز والاستفزاز، من خلال سرقة حساباتهم ونشر صورهم وغيرها من عمليات التهديد التي تؤدي الأفراد.

ففي برنامج فرنسي تم فيه اختيار الناس عشوائيا، تم إقناعهم بوجود ساحر في داخل الخيمة يستطيع قراءة واقعهم، وفعلاً عندما دخل الناس بدأ الساحر بإخبارهم بتفاصيل شخصية جدا عن حساباتهم وعن حبهم، ومن يكرهون، وماذا يشترون من ملابس وعن خصوصياتهم.. وغير ذلك الكثير الكثير. كانوا جميعا يتفاجؤون بحجم المعلومات لدى هذا الساحر الغريب؟ وكانت المفاجأة لهم عندما تم فتح الستار الجانبي للخيمة ليشاهدوا أن (فريق الساحر والمساعدين له) قاموا بفتح حسابات الناس على الفيس بوك عند دخولهم الخيمة ومعرفة كافة تفاصيل حياتهم بسهولة، وتم إخبارهم بها على أساس أنها من علم الغيب! وكل هذا بسبب خصوصياتهم المشاعة باستمرار.

لقد أبعدتنا مواقع الاتصال عن الواقع كثيرا، وحرمتنا من المشاعر الحقيقية ولذّتها، ويرى عبد العزيز المطيري رئيس تحرير مجلّة الأسرة أن "الانشغال بالهواتف والتطبيقات نوع من العقوق والتكاسل عن صلة الرحم، وأشار فضيلته إلى وضوح هذا الأمر بجلاء حتى تداول الناس عبارات من قبيل "وسائل التواصل ألغت التواصل". من جانبه يقول الدكتور محمد الشريم "إن عادة التزاور بين الناس تقلصت لصالح تبادل الرسائل، فقد صار بعض الناس يكتفي بالاتصال الهاتفي للتهنئة ببعض المناسبات، أو حتى للسلام والسؤال عن الحال".

وهذا ما يؤدي إلى النقص في الشعور بالانتماء الاجتماعي، عدا عن إهدار الوقت وعدم الشعور بقيمته وضياع ساعات طويلة في اللعب، أو مشاهدة أشياء لا أخلاقية كالمواقع الإباحية، أو المغامرة في علاقات محرّمة عن طريق خدمات المحادثات بأشكالها المتعددة، حيث يتعامل أصحابها بشخصيات مزيفة وأوجه مستعارة يتم فيها التضحية بالقيم والأخلاق والثوابت على حساب نزعات الهوى والعبث بمشاعر الناس.

ينبغي أن تكون تلك الوسائط أدوات في أيدينا نستخدمها ولا تستخدمنا، نملكها ولا تملكنا، نتعامل معها بقدر الحاجة، ولا نستسلم لما تفرضه علينا من قيم دخيلة
 

ففي هذه المواقع "سندريلا" لن تترك حذاءها سهوا فهي تتركه متعمدة بكل تأكيد، أما "ليلى" فلا يأكلها "الذئب"، يأكلها صاحب قلم لديه خبرة عظيمة بشعاب الأنترنت وبكل خبث. ولهذا أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أقصر الطرق للتفكك الأسري والطلاق بين الزوجين. وهذا ما أكدته المستشارة الأسرية "تهاني شروني" بقولها "قد يعكر صفو حياة هادئة وجميلة بين زوجين أن أحدهما استسهل الحديث والمزاح مع الغرباء في الفضاء الإلكتروني المجهول". وها هو د. فيل الطبيب النفسي الأمريكي الشهير يخاطب جمهوره قائلا "اعملوا على استعادة التواصل بين الأشخاص الحقيقيين".

وبالرغم من السلبيات التي أوردناها سابقا بسبب الإفراط في التعاطي مع وسائل التواصل، إلا أننا لا بد أن ننظر إلى الموضوع نظرة متوازنة تتطلب انتقاد لتصرفاتنا وسلوكاتنا السلبية واستخدامنا غير السليم للتقنية، لا اتهام التقنية في حد ذاتها. إذ ينبغي أن تكون تلك الوسائط أدوات في أيدينا نستخدمها ولا تستخدمنا، نملكها ولا تملكنا، نتعامل معها بقدر الحاجة، ولا نستسلم لما تفرضه علينا من قيم دخيلة، ولا يتم ذلك إلا بالرقابة الذاتية والوعي الصحيح لكيفية التعاطي معها، وأفضل طريقة لذلك العمل بالآية الكريمة "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" فالتقوى والاعتدال هما الطريق الصحيح، ومن هنا لا بد من تكامل الدور التثقيفي بين البيت والمساجد ووسائل الإعلام، وتظافر الجهود نصحا وإرشادا ومتابعة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة