ما بين طيش السعودية ومغامرات إيران.. هل الحل في القاهرة؟

رحلت الطفلة أمل، نعم رحلت بسبب حرب اليمن القذرة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية قبل قرابة ثلاث سنوات عجاف، فلماذا تموت أمل، في اليمن الذي كان سعيدا حتى وهو فقير، قبل أن تنقض عليه طائرات وصواريخ وقذائف تحالف لا يمكن أن يكون عربيا، فالعربي لا يقتل أخاه العربي، ولا يدفن أبناء أخيه العربي تحت الأنقاض، ولا يمكن أن تكون السعودية المصنفة الأولى في هدر الطعام عالميا قدمت لإطعام أطفال اليمن، السؤال لماذا يحولون حياة أطفال اليمن لجحيم، فيما يصطحبون أطفالهم لرحلات الترف في العواصم الأوروبية، ويكبون الطعام في القمامة بقيمة ٥٠ مليار ريال سنويا حسب احصاءاتهم.

 

لماذا حلال عليهم العيش بترف مع أطفالهم حرام على اليمنيين والسوريين العيش فقط دون ترف، لماذا الأب اليمني يموت وهو ينظر لأطفاله يموتون جوعا، لماذا الأب الغزي في فلسطين يموت قهرا على أطفاله الجوعى، لماذا مات أطفال سوريا، وشرد أطفال العراق؟ لأن حظهم البائس أنهم يعيشون في منطقة تتصارع فيها دولتان مارقتان، باسم الدين يقتلون، وباسمه يتحالفون مع الغرب، وباسمه يقطعون أوصال الأبرياء، إن إيران بطائفيتها ونهمها للاستحواذ على المنطقة محمولة بأحقاد عفنة، والسعودية بعنجهيتها وكرهها لكل ما هو غير سعودي وعشقها لكل ما هو "صهيوأمريكي" يشكلان تهديدا للأمن والاستقرار في هذا الجزء من العالم.

 

فبدل أن تكون الطفلة اليمنية أمل حسين رمزاً للفرح والحياة والمستقبل، جعلتها الحرب رمزاً للموت جوعاً، وبدل أن يهتم العالم بمأساتها، ويتحالف لنجدتها من جوعها وفقرها وتهجيرها من بيتها لتعيش في خيمة من قش قبل موتها، يذرف الدمع عليها بعد فوات الأوان. ١٤ مليون جائع مهددون بالموت، هذه إنجازات عاصفة ابن سلمان، الذي يبدو انه ليس متخصصا فقط في تقطيع أوصال الأوطان بل والانسان أيضا، فيما في الجهة الأخرى تواصل ميليشيات إيران دعم نظام مجنون قتل شعبه، وهجر نصفة، ليكون السؤال هل تعمل هاتان الدولتان بشكل منفرد أم أنهما جزءا من لعبة الأمم.

 

حالة الفراغ أو الفوضى التي أعقبت تحلل الأمريكي من التزاماته فيها إلى أن "الجمهورية والمملكة " تخلت عن سياستهما التي اتسمت بالمحافظة والتعقل، واندفعتا بشكل مجنون للعربدة وبسط النفوذ

الناظر لسلوك إيران يلحظ أنها وسعت نفوذها ومدت ذراعيها في المنطقة خلال سنوات التفاهم الأمريكي الإيراني أو"شهر العسل الإيراني الأمريكي" كما يسميه البعض، فطهران التي عملت مع واشطن في أفغانستان كوفئت في العراق، وعلى مر سنوات الصفاء الإيراني الأمريكي صمتت  واشنطن على الانتهاكات التي مارستها طهران في بلاد الرافدين وغيرها، ما يعني بشكل أو بآخر حصولها ضوء أخضر أمريكي مسبق طالما أنها تخدم مصالح الولايات المتحدة، ذلك الضوء الأخضر هو ذاته الذي منحته واشنطن للسعودية للعربدة في اليمن، وبالتالي فإن "الخصمين" بشكل أو بآخر يعملان كوكيل للولايات المتحدة الأمريكية، صحيح أنهما يتحركان في هامش معين لكنهما محكومان بالخطوط الأمريكية العريضة التي تحدد المساحة التي ينبغي أن يلعب فيها كل حليف، فيما يحاولان التسابق للحصول على الاعتماد الأمريكي كوكيل أعمال، بتقديم نفسيهما كلاعب إقليمي يمكنه ملئ الفراغ الذي تركته أمريكا في المنطقة عقب انسحاب أوباما التدريجي منها.

 

تشير السنوات العشر الماضية أن حالة الفراغ أو الفوضى التي أعقبت تحلل الأمريكي من التزاماته فيها إلى أن "الجمهورية والمملكة " تخلت عن سياستهما التي اتسمت بالمحافظة والتعقل، واندفعتا بشكل مجنون للعربدة وبسط النفوذ، فإيران التي بشرت ثورتها العالم العربي بالحرية مارست أبشع أنواع القتل والاضطهاد والتصفية في العراق أول بلد يخضع لسيطرتها ثم سوريا التي قمعت ثورة أبنائها ،أما السعودية فمارست أبشع أنواع التخريب عبر دعهما للثورات المضادة مبكرا، ثم حربها في اليمن، وقبل ذلك تدخلها السلبي في سوريا بإذكاء الحرب الأهلية هناك بدلا من دعم الثورة.

 

وفي ظل سقوط هاتين الدولتين التي عول عليها شباب المنطقة ونخبها لسنوات، يبدو أن لا نهضة عربية دون مصر، فهي التي قادت على مر التاريخ نهضة العرب، وما تشهده المنطقة من فوضى راهنة ما هو إلا نتاج غياب القاهرة وتسلم دول غير مؤهلة قيادة شؤون العالم العربي، في وقت أحدث الانسحاب الأمريكي فراغا مفاجئا، لم تنجح الدول الإقليمية في ملئه، فاستعادة الاستقرار يتطلب استعادة القاهرة لزمام القرار، وتخليص المنطقة من ويلات هذا الانفلات والتشظي الذي تعيشه، فلا تعويل على السعودية التي يقودها "جزار"، ولا على طهران المسكونة بالثأر "لرأس الإمام"، وإذا لم تتقدم القاهرة وتعود لقيادة العالم العربي، وبالنظر للدول المحيطة، يبدو أن تركيا هي فقط المؤهلة لاستعادة زمام الأمور في الإقليم إذا تأخرت القاهرة عن ذلك، فرغم تدخلات أنقرة في عدد من الملفات إلا أن الأتراك حافظوا على التدخل عبر القوى الناعمة، دون التورط مباشرة في جرائم كتلك التي تورطت فيها الرياض وطهران، فهل المنطقة أمام حكم عثماني جديد؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلن رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد عن تعديل وزراي واسع يستهدف الخروج من الأزمة السياسية المستمرة القائمة، بينما أعلنت الرئاسة التونسية أن الرئيس الباجي قايد السبسي لا يوافق على التعديل.

الأكثر قراءة