مالك بن نبي.. وأرق الثقافة

إن المتمعّن والمحلّل والدّارس لكتابات المفكر الإسلامي/النهضوي مالك بن نبي – رحمه الله – يتبين بدقةٍ ووضوحٍ الهدف النهضوي الذي نذر حياته له، بخدمته للقضايا الإنسانية العادلة ابتداءً من القضية الجزائرية إلى القضايا القومية الإسلامية وانتهاءً بمعضلات العالم الثالث، فلقد أمضى مالك أكثر من ثلاثين عاماً متأمّلاً يحلّل ويضع شروط النهضة للمجتمع الإسلامي، رغم التعتيم والتهميش الذي مورس ضده حيّا وميّتا، إلا أن فكره بقي حيّا يُقرأ وأفكاره ما زالت تنبض بالحيوية والفعالية، تتداولها أجيال ما بعد الاستقلال في الجزائر وفي العالم الإسلامي برمته.

وفي هذا المقال، سنعرج على أهم القضايا الكبرى التي تطرق إليها بن نبي في حياته الفكرية، والتي نطمح من خلالها إلى التعريف بفكر المجاهد والمفكر والفيلسوف، مركزين في ذلك على أهم القضايا الجوانية -بتعبير المجاهد علي عزت بيجوفيتش- التي اتسم بها فكر مالك بن نبي وهي كالآتي:

أخذت قضية الأفكار حيزاً مهماً من تفكير واشتغال مالك بن نبي -رحمه الله-، وقد بين بشكل مستفيض أهميتها ووظيفتها وخطرها، من الناحيتين النظرية والتطبيقية، لأنها تشكل مرآةً يرى بها الآخر شخصيتنا ومستوى تفكيرنا ليحكم من خلاله علينا إما بالسلب والإيجاب، لأنها تشكل علامة صحة لتقدم الأمة أو تخلفها، ومقياساً دقيقاً لنضجها أو تخلفها أو لتطورها الحضاري. ذلك أن التفوق الفكري والنظري الواعي لدى أمة من الأمم سيصاحب حتمياً بتفوق عملي تطبيقي في مختلف مجالات الحضارة الإنسانية، والدليل الأكيد على ذلك انتصار الفكرة الإسلامية القرآنية في الجزيرة العربية التي أعقبها انتصار حضاري شامل لتلك الأمة المتخلفة.

والأفكار إما أن تكون ذات مصدر إلاهي تأتي عن طريق الوحي، أو تكون من نتاج تأثر العقل البشري بالوحي، فينتج فكراً دينياً، أو تكون من إنتاج العقل البشري المحض الذي يصل إلى الحقيقة عندما يسعى لتأكيد وظيفته في الحياة وهي عملية إنتاج الأفكار، ولهذه الأفكار على تنوعها مصادر ووظائف ومهام هي:

1- اليقظة والنهوض والإقلاع:
يشير مالك بن نبي إلى أن عمق الفكرة الدينية هو القدرة على تغيير الإنسان، ووضع جل الإمكانات والطاقات الحيوية واستثمارها في عملية النهوض والإقلاع الحضاري

كثيراً ما نسمع ونقرأ عن مجتمعات تعيش في حالة خمول وتخلف، تسودها البدائية في التصرفات والأفعال، ويحكمها الجمود في العلاقات، حتى تتداركها العناية بنزول فكرة حية ناضجة.. ذلك أن هناك مرحلة يكون فيها المجتمع بدائياً، فقير الوسائل، فإذا ما أدركته فكرة جوهرية تستقطب روحه، اندمج في دورة التاريخ، واندمج جهده اليومي نحو مثل أعلى، يجعل لأفكاره دوراً وظيفياً.

ذلك لأن الأفكار تشكل حدوداً واقية للمجتمعات، فالأفكار الدينية تحد من خطر الغريزة، وتربط الطاقة الحيوية بدور نبيل في المجتمع، وفي حركية التاريخ، فالفكرة الإسلامية نجدها قد طوعت الطاقة الحيوية في المجتمع العربي الجاهلي ليصبح مجتمعاً متحضراً. وهذه الإيديولوجية الشيوعية تخرج سكان مدينة (ستالين غراد) من بين ملايين القنابل المشتعلة، وركام الأبنية المحطمة، ووحشية وجاهزية الجيش الألماني… ليوقفوا زحف الجيش النازي الزاحف على مدينتهم خلال الحرب العالمية الثانية، بل شكلت نقطة محورية مهمة في تراجع المد النازي عن العالم بأسره. وهذه الفكرة المسيحية تخرج أوربا إلى مسرح التاريخ في قرن البعث الحديث.

يشير هنا، مالك بن نبي إلى أن عمق الفكرة الدينية هو القدرة على تغيير الإنسان، ووضع جل الإمكانات والطاقات الحيوية واستثمارها في عملية النهوض والإقلاع الحضاري، فتجعل من كل القيم الدينية قيماً أخلاقية عملية تحكم المجتمع، وتحدد طبيعة علاقاته ببعض، وقد بين بن نبي عملية التحول في المجتمع بأنه: على عتبة حضارة ما، ليس هو عالم الأشياء الذي يتبدل، بل بصورة أساسية عالم الأشخاص على أساس ميثاق جديد منزل كالقرآن الكريم.

ونخبة القول، أن هذه الأفكار الدينية رغم أنها تفقد فعاليتها داخل المجتمع، فإنها تحتفظ بقوتها الدافعة، وهذا الوضع جسدته الحضارة الإسلامية بعد عصر الموحدين، وما رافقه من تدهور وانحطاط وتخلف حضاري/فكري، وقد مكنتها تلك الأفكار الكامنة من مقاومة العدوان وتحقيق الاستقلال، ومعاودة المضي نحو النهضة بحزم وقوة لا نظير لها. أما الأفكار التي تريد تغيير عالم الأشياء والمقتنيات، فإنها غالباً ما تصدر عن العقل البشري الذي يمكن أن يصيب تارة ويخطئ تارة أخرى.

2- مقياس الغنى أو الفقر الاجتماعي:

يشير الأستاذ مالك بن نبي إلى حقيقة اجتماعية مهمة، لها علاقة حقيقية ووطيدة بغنى وفقر المجتمع نحو:.. لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بقدر ما فيه من أفكار..، يبن هنا بن نبي على أن القوة الحقيقة للأمة، تبرز في امتلاك للأفكار الحية والبناءة، التي تساهم في السيطرة على عالم الأشياء، وتسخير مالها من وسائل في خدمة تلك الأفكار الحية، مؤكداً على هذه الحقيقة بقوله: ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة، كأن يحدث فيضان، أو تقع حرب فتمحو منه عالم الأشياء محواً كاملاً، أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة عليه، فإذا حدث في الوقت ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على عالم الأفكار كان الخراب ماحقاً، أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه قد أنقذ كل شيء، أذ أنه يستطيع أن يعيد بناء عالم الأشياء.

لأن الثروة التي لا تشترى ولاتباع هي ثروة عالم الأفكار، والعالم الإسلامي منذ تعثره الحضاري يملك الأشياء والوسائل، ولكنه للأسف يفتقر إلى عالم الأفكار والإبداع، ففقره إذن في فكره لا في وسائله، لأن: المجتمع المتخلف ليس موسوماً حتما بنقص في الوسائل المادية، وإنما بافتقاره للأفكار يتجلى بصفة خاصة في طريقة استخدامه الوسائل المتوفرة لديه، بقدر متفاوت من الفاعلية. والملاحظ على العالم الإسلامي أنه يتمتع بأراض واسعة وخصبة جداً وهي أفضل وسيلة لإقلاع مجتمع متخلف من مرحلة البدائية إلى مرحلة أخرى.

الأفكار القاتلة المميتة هي الأفكار المستوردة من المدنيات الأخرى، أو من كل فكرة فقدت عمق هويتها، ومقوماتها الثقافية، بعدما فقدت جذورها

والأمر مثله بالنسبة للمجتمعات الإسلامية التي تمتلك ثروات طبيعية وباطنية غنية ومتنوعة، ولكنها للأسف تفتقر إلى الصناعات التدويرية المتطورة، ولذا فهي تتخلص من ثرواتها إن صح التعبير، لغياب عقل يفكر في تكرير هذه الثروات والاستفادة منها بشكل كبير، في حين نجدهم يقتصرون مقابل ذلك باستيراد المنتجات المدنية الغربية التي تعكس عالم الأفكار المتطور لدى الإنسان الغربي المتحضر. وهذا ما يبين مدى قيمة الأفكار في عملية الإقلاع الحضاري، لأنها هي التي تقوم بتغيير الإنسان من حال إلى أحوال، بشرط أن تكون هذه الأفكار حية بناءة حديثة لا قاتلة ولا مميتة، أو مية لا روح فيها. فهي على العكس تعمل على تهديم وتخريب آثار الأفكار الحية، هذان النوعان هما:

1- الأفكار الميتة.
2- الأفكار المميتة أو الأفكار القاتلة.

أما الأفكار الميتة فهي الأفكار التي انحرفت عن مثلها العليا، وهكذا أغلب أفكار إنسان ما بعد عصر الموحدين. لأن كل فكرة فقدت فعاليتها في عالم الأشخاص، ولم تتجسد في عالم الأشياء تصبح بالضرورة فكرة ميتة لا قيمة لها، والأفكار الميتة هي التي تجعل المجتمع رخواً ليناً هيناً لانتعاش عقدة القابلية للاستعمار والخضوع لسيطرة الغير. وهي أشد خطراً على المجتمع من الأفكار القاتلة، لأن: كل مجتمع يصنع بنفسه الأفكار التي ستقتله، لكنها تبقى بعد ذلك في تراثه الاجتماعي أفكاراً ميتة تمثل خطراً أشد من خطر الأفكار القاتلة، إذ الأولى تظل منسجمة مع عاداته وتفعل مفعولها في كيانه من الداخل، إنها تكون قاتلة ما لم نجسر عليها عملية تصفية، وهي التي تكون الجراثيم الموروثة الفتاكة التي تفتك بالكيان الإسلامي من الداخل، وهي تستطيع ذلك لأنها تخدع قوة الدفاع الذاتي فيه.

وبالتالي فإن العادات والتقاليد الرجعية والممارسات الدونية، والشخصيات الإقطاعية، وكل الأمراض الاجتماعية التي نجدها حاضرة بقوة في صميم العالم الإسلامي، إنما هي ممثل حقيقي للأفكار الميتة، لأنها هي التي تجعل العالم الإسلامي خاضعاً لعقدة القابلية للاستعمار.

أما الأفكار القاتلة المميتة فهي الأفكار المستوردة من المدنيات الأخرى، أو من كل فكرة فقدت عمق هويتها، ومقوماتها الثقافية، بعدما فقدت جذورها. والمثقف الذي يحمل الأفكار الميتة تجعل منه وعاء لقبول الأفكار القاتلة أكثر من غيرها، وهكذا عقلية فرد ما بعد عصر الموحدين، فهي لا تبصر غير الأفكار التافهة المنحطة، ولا تستورد غير الدونية أيضاً، وتكون النتيجة الانحلال والانحراف والتحلل، وهذا ما يشير إليه بن نبي في أفكار ما بعد عصر الموحدين قائلاً: فكذا مرقص، وكذا مقهى، وكذا كلية، وكذا برلمان تحللا تاما.. فأوروبا إذن تعطينا عناصر تحلل الأخلاق والمجتمع… لأننا بأفكارنا الميتة لا نرى أفكارها الحية المحيية. ومن باب الإنصاف والاعتراف، بجهود المجاهد مالك بن نبي، استشرافه لحلول قضايا عصرنا وهنا الإشارة إلى مشروعه عن فكرة كومنويلث إسلامي التي يمكن أن نتطرق لها في حديث آخر بحول الله تعالى.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة