شعار قسم مدونات

لأجلِ بلالٍ آخر.. العبودية لا تعني الضعف أبداً!

blogs العبودية الطوعية

كونتا كنتي.. مواطنٌ أفريقي أسود البشرة، فقط لأنه أسود سُرق وبيع تهمته الوحيدة هي جلده وحوكم بالاستعباد والإهانة والخدمة بعد أن كان أسداً يجول في براري محميته التي ولد فيها "غامبيا"، وضع في قفص وبيع ثم هرب كأي حيوانٍ مسلوب الحرية وعوقب بعد الإمساك به بقطع ساقه. في الحقيقة جميعنا لدينا كونتا كنتي الذي أُسر على حين غفلة منه. جميعنا لدينا هؤلاء البيض الذي يرون أنفسهم سادة العالم أو أنهم مفوضو الرب ليطلقوا الأحكام ويفرضوا العقوبات جميعهم لديهم سياطٌ جاهزة لجلدنا دون أي ذنب نقترفه.

 

جميعنا لدينا سيزيف الذي حوكم بلا سبب بحمل صخرة ضخمة لأعلى الجبل لتتدحرج الصخرة للقاع ثم ليعود مجدداً لحملها بشكل عبثي، جميعنا لدينا بلال بن رباح لذي اُمتُهن أيضاً وسُرق منه الشيء الوحيد الذي يعرفه عن والده وهو اسمه رباح، ليسموه باسم أمه التي أطلقته على نفسها "حمامة" رامزةً فيه إلى الحرية تاركةً فيه لبلال رسالةً رمزية مشفرة كلما نُودي باسمها لم يحزن لأن لفظة حمامة ستأخذه إلى البعيد نحو الحرية نحو الفضاء الواسع، بلال الذي رفض الهوان وأن يعامل أو يحاكم محاكمةً ظالمةً بلا إثم بسبب لونه الذي لم يختره، بلال الذي مذ عرف نفسه عرفها على أنها فقط سلعةٌ مربحةٌ بُذرت بداخل أمه لتزيد ربح أمية ولكن بلال على رغم عبوديته المجحفة لم يكن ضعيفاً قط .

أذكر حين كنت في الصف الأول الابتدائي كانت هناك صورةٌ في كتاب التربية الإسلامية لرجلٍ أسود اللون مُلقى على رمالٍ صفراء، على صدره صخرةٌ كبيرةٌ، يديه وقدميه مكبلتين بالأغلال تعلوه شمس بأشعة وخيوط طويلة حامية وكلمة "أُحُدٌ أُحُد" مرسومة داخل إطار تشير إلى تلفظه بها، الدرس الأول والحق الأول: الحرية وقول كلمة الحق في وجه الطغيان لم أذكر أني رأيت هذا الرجل ضعيفاً بل بطل قوي يتحمل هذا الأذى في سبيل تحقيق مطلبٍ أو هدف، عقولنا الصغيرةُ آنذاك لم تكن تعرف التوحيد أو الله، فقط تراه في سجود الكبار وأدعيتهم، في امتدادهم بالحياة برضًا وتسليم إذن ما كنا ندرسه هو المبدأ، الفطرة كانت أقوى من كل شيء من سوط أمية ومن حجارة صغار مكة من شمس الظهيرة ومن ثقل الصخرة هذه الفطرة رفضت هذا الظلم والعبودية وتساءلت عن سبب هذا العقاب فكان الإجابة هي: الدفاعُ عن الحق والمبدأ.

 

في داخل كل منا أمية وبلال، يأخذ منهما ما يحتاجه ولكن حذار أن ينقلب بلالٌ إلى أمية في لحظة انتقام وجشع أن تسعى للثأر لنفسك فترى نفسك على غرار ما أردت

العبودية لا تعني الضعف أبداً بلال بن رباح على الرغم من استعباده إلا أنه لم يكن ضعيفاً؛ لأنه كان قادراً على كتم الإيمان وإرضاء أمية بقول عكس ما يبطن؛ ليخفف عن نفسه العذاب حيث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد أجاز ذلك ما لم يخالط القلب ولكنه بقولها كان سيُرضي أمية ويجعله يشعر بالانتصار كان ديناً جديداً على مكة وعلى العالم كله، ولكن بلالاً آمن، آمن على الرغم من أن هذا الدين لم تُوضع له بروتوكلاتٌ وملصقات لشروط دخوله أو مميزات موجودة فقط فيه لا غيره، بشكل أبسط لم يكتب فيه: أن الناس عند الله واحد وأن المساواة بين الناس هي الأصل وأن التقوى المجازي المعنوي هو أساس التفاضل والسيادة لم يذكر الدين هذا الشيء الجديد الغريب ولكن شيء من داخل بلال من بقايا أمه حمامة ومن بقايا عالمه جذبه لهذا الدين إيمانه بأنه يستحق حياةً ومعالمةً أفضل يستحق حريته وأنه لم يخلق عبداً أو ليكون سلعةً.

 

شيءٌ من داخل بلال دفعه للاستمرار بقول: أحدٌ أحدٌ، دفعه للترنم بهذه الأبجدية التي لم يردد سواها كأنه يستمد منها القوة كأنه لم يعرف غيرها "سمية وعمار والمقداد بن أسود"، كانوا أيضاً من الأوائل في الإسلام منهم من تلفظ بما لم يوافق قلبه رغبةً في التخلص من العذاب ولكن بلالاً رغم أن لا أحد له ليمنع قومه منه إلا أنه رفض هذا فهانت عليه نفسه وهان عليه قومه فسحلوه في شوارع مكة ليضربه الصبية ويعذبوه ولكنه بقي صامداً قوياً إلا أن حرره أبو بكرٍ الصديق من سيده حرره وهو متوشح بقوته لا بضعفه وبمبدأه الذي لم يحد عنه غادر أمية منتصراً حراً تملؤه العزة والأنفة .

بينما أمية يتميز غيظاً، ليجد أبا بكرٍ بانتظاره ظاناً منه أنه سيده الجديد، ليفاجئه أبو بكرٍ بشيء لم يكن يتوقعه أو يخطر في باله وهو أنه: رجلٌ حرٌ كأي رجلٍ في مكة، ليجد أن الجميع عبيد ولكن لربٍ واحدٍ أَحَد وحر في الوقت ذاته، ثم ليصبح من أعظم الشخصيات التاريخية التي تهفو المسامع والقلوب لرؤيتها ليصبح مؤذن الرسول، أول مؤذن بالإسلام بل أول مؤذن يؤذن بالبشرية أي شرف هذا نلته بعد الصبر يا بن رباح لتصبح مثالاً وسيرة يتناقلها الصغار والكبار لتصبح مثالاً ورمزاً يحتذى به، بل لتعتليَ الكعبة وتؤذن من أعلاها بينما سادة مكة يتميزون غيظاً في جوف الجبال – فتحُ مكة – بلال بن رباح هو الكلمة المرادفة للحرية.

 

كان يمكن لكونتا كنتي أن يكون مثل بلال يصمد ويرفض اسمه الجديد، يرفض الذل والعبودية ويحارب لأجل مبدأه وحياته الأولى التي ولد عليها ولكنه تخلى في النهاية بعد سوطٍ ألهب جسده فوافق على أن يصبح توبي اعتاد على حياته الجديدة مرغماً هرباً من التعذيب ومتقبلاً فكرة أن يصبح كالجميع خاضعاً مستسلماً، لربما كان يرفض هذا في قلبه كونتا ضعُف واستسلم هذا الشي يشبه البحث في منجم للألماس تبقى تحفر لأسابيع أو شهور أو لربما لسنواتٍ متتالية لا تعرف ما وراء المعول لا تعرف أنها الخطوة الأخيرة وأنه لا يحول بينك وبين الكنز سوى القليل من الرمال وبعض الدقائق فتتراجع وتترك الكنز لأحدٍ يحفر بوقتٍ وجهدٍ أقل منك ككونتا ليكمل أحفاده مسيرته وليعيش هو ما تبقى من حياته يُصارع الفكرة بداخله.

 

هي حياةٌ واحدة من ضمن حيواتٍ كثيرة وُجدنا فيها وانتقلنا منها لننتقل إلى غيرها، كن فيها لنفسك كل شيء وعشها بعزة وكرامة تعلي فيها مبدأً يكون نبراساً يضيء لغيرك الطريق
هي حياةٌ واحدة من ضمن حيواتٍ كثيرة وُجدنا فيها وانتقلنا منها لننتقل إلى غيرها، كن فيها لنفسك كل شيء وعشها بعزة وكرامة تعلي فيها مبدأً يكون نبراساً يضيء لغيرك الطريق
 

لربما كان الآن متحرراً يستمتع بأشعة الشمس بعيداً عن الأصوات والأسواط التي تقطع استرخاءه المسروق، أو أنك تكمل الحفر فتعثر على كنزك فتستمتع بحياتك وتشعر بذاتك وعظمتك فتعيش حراً عزيزاً تاركاً الطريق ممهدةً بالكامل لأحفادك كبلال بن رباح، إضافةً إلى أن عليك معرفة الصخرة التي ستحملها هل ستكون عبثية كصخرة سيزيف، ترفعها دون جدوى لتتدحرج بسرعة نحو القاع فتذهب أيامك وحياتك بلا جدوى أو تكون كصخرة بلال تتفتت كل يوم وتتناثر لتصبح اللاشيء ولتصبح كبالون فارغ لا تزن شيء مقابل القوة والعزيمة.

في داخل كل منا أمية وبلال، يأخذ منهما ما يحتاجه ولكن حذار أن ينقلب بلالٌ إلى أمية في لحظة انتقام وجشع أن تسعى للثأر لنفسك فترى نفسك على غرار ما أردت، ما بين أمية وبلال حائطٌ حاذر أن تتسوره بسلم الغضب الأعمى. لأجل بلالٍ آخر، حارب واصمد بيدك الاختيار ولديك جميع البدائل أن تكون: توبي أو سيزيف أو لتكون بلالاً.

 

القوة تنبع فقط من داخلك، لا تستمع للمعرضين أو الدبلوماسيين السلبين.. الخائفين والواجفين الذين يسيرون بجانب الحائط والذين يضعون رأسهم بين العديد من الرؤوس خادعين أنفسهم بأن العقاب سيكون أقل وطأةً عليهم عند مشاركته، برأي: لا أحدَ مضطرٌ لأن يتحمل شيئًا لم يفرضه الله عليه لا أحد مضطر لأن يخضع لقوانينٍ بشرية محجفة وظالمة لقوانين أشخاصٍ لا يفرق بيننا وبينهم سوى التقوى. هي حياةٌ واحدة من ضمن حيواتٍ كثيرة وُجدنا فيها وانتقلنا منها لننتقل إلى غيرها، كن فيها لنفسك كل شيء وعشها بعزة وكرامة تعلي فيها مبدأً يكون نبراساً يضيء لغيرك الطريق ومثالاً رائعاً يحتذى به.