دير الأنبا صموئيل.. هل سيظل حزينا كسيرته الأولى؟

بعد حادث الجمعة البشع الذي أودى بحياة العديد من المصريين الأبرياء، هذا الحادث الذي جاء تكررًا لحادث مشابه وقع منذ عام، وعلى نفس الطريق، بل وبنفس الكيفية، بعد هذا الحادث؛ آثرت على نفسي أن أقدم لقرائي الأعزاء نبذة عن هذا الدير الأثري – الحزين – وصاحبه. ينتمي دير الأنبا صموئيل إلى أديرة الفيوم الشهيرة التي يتجاوز عددها ثلاثين ديرًا، وهي أديرة ظلت ولقرون طويلة عامرة بالرهبان، بداية من القرن الرابع الميلادي.

 

ودير الأنبا صموئيل؛ أُخذ هذا الاسم بعد أن انتقل إليه "القديس صموئيل المعترف" حيث كان يطلق عليه من قبل "دير نقلون"، ويقع على بعد 80 كيلو متر شمال مدينة المنيا، ويضم الآن العديد من الكنائس من بينها؛ كنيسة القديس الأنبا صموئيل المعترف، وكنيسة السيدة العذراء، كما يضم مقصورة تحتوي على جسدي القديس الأنبا صموئيل المعترف وتلميذه القديس الأنبا أيوللو.

 

والقديس صموئيل المعترف؛ ولد عام 597 م تقريبا، وقد عمّر طويلًا؛ حيث عاش ما يقرب من مائة عام، وكانت نشأته نشأة دينية؛ فقد كان والده يعمل قسًا؛ فاهتم بتربيته تربية ملتزمة، ولما بلغ الثانية عشر من عمره اجتهد في العبادة بطريقة عجيبة فاقت عمره بكثير، وعندما أتم الثامنة عشر اتجه نحو الرهبنة فانضم إلى دير "أنبا مكاريوس" بوادي النطرون؛ وبقى فيه هناك ستة عشر عامًا؛ نال فيها اعجاب التلاميذ والمحبين.

 

لا يزال اسم القديس صموئيل يُذكر في مجمع القداس، بل ويُعتبر من أشهر قديسي الكنيسة القبطية في مصر، ولا يزال ديره عامرًا بالزوار إلى يومنا هذا

ولكنه أُجبر أن يغادر الدير بسبب الإضطهاد العنيف الذي قام به المقوقِس ضده وضد الرهبان الآخرين الذين قاوموا التعاليم الخلقيدونية التي أصر المقوقس ومسيحيو الشرق فرضها عليهم، وهي التعاليم التي صدرت عام ٤٥١م عندما اجتمع في مدينةِ خلقيدونية – التي تقع في القسم الشرقي من تركيا حاليًا – ٦٣٠ أبًا من آباء الكنيسة لمناقشة موضوع من أهم موضوعات العقيدة المسيحية، وهو موضوع يتعلّق بالمسيح عليه السلام، وقد نجم عن هذا المجمع انشقاق الأقباط والأرمن والسريان عن الكنيسة الروميّة وبالتالي تم فسخ الشراكة بينهما، فالمعارضون لهذا المجمع رفضوا أن يُطلق اصطلاح "طبيعتين" على المسيح، وقالوا إن اطلاق هذا المصطلح يوازي عندهم "شخصين"، وبالتالي رفضوا أن يكون المسيح عبارة عن طبيعتين أو شخصين متّحدين مع بعضهما البعض!

 

ومن أجل – ألا يعترف – ترك القديس صموئيل وادي النطرون مع أربعة من تلامذته واتجهوا نحو "دير نقلون" فأقاموا فيه ثلاث سنوات ونصف، قبل أن يعلم المقوقس بمكانهم، فيتجه نحوهم فيهربوا جميعا ويختبأوا في الجبال والمغارات مع العشرات من الرهبان الآخرين، ولكن في النهاية ينجح المقوقس في الوصول إليهم – بعد أن أرشد عنهم بعضُ الأتباع الذين لم يصبروا على الأذى الذي تعرضوا له على أيدي الجنود – وهناك عرض عليهم الاعتراف بقرارت المجمع الخلقيدوني إلا أنهم رفضوا رغم علمهم بما هم مقدمون عليه المكاره، وبالفعل نالوا من التعذيب والإضطهاد ما لا يتحمله بشر؛ فقطعت أيديهم وأرجلهم وفقئت أعينهم، وبالرغم من ذلك أصروا على موقفهم، ولذلك سُمي القديس صموئيل بالمعترف لأنه عُذب وأُضطهد من أجل أن يعترف ولكنه لم يعترف.

 

وهناك الآن وعلى بعد 5 كيلو متر شرق دير نقلون، توجد مغارة بأعلى قمة في الجبل، كان القديس صموئيل يقضي بها معظم الوقت في أواخر حياته؛ حيث كان يحب الخلوة، ومات هناك ووضع جسده داخل الدير الذي ظل مخلدا لاسمه، ولا يزال اسم القديس صموئيل يُذكر في مجمع القداس، بل ويُعتبر من أشهر قديسي الكنيسة القبطية في مصر، ولا يزال ديره عامرًا بالزوار إلى يومنا هذا. ولكن؛ هل سيظل الدير حزينا كــ سيرته الأولى.. أم آن لهذا الحزن الذي لمّ به وبمصر أن ينجلي؟!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلن رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد عن تعديل وزراي واسع يستهدف الخروج من الأزمة السياسية المستمرة القائمة، بينما أعلنت الرئاسة التونسية أن الرئيس الباجي قايد السبسي لا يوافق على التعديل.

الأكثر قراءة