فَأَتبَعَ سَبَبًا..

(قضت الحياة أن يكون النصر لمن يحتمل الضربات، لا لمن يضربها)، استثار أمير البيان مصطفى صادق الرافعي مكنون الأفئدة المكلومة، فما وجد منها إلا الصبر والتوكل والجلد والتجلد، فربت بكلماته البديعة على الأرواح المنهكة، (أن لا ضير عليكم، إنكم لمنتصرون).

في سُبل الحياة المتباينة ما بين العسير واليسير، لا بد من لكمات توقف المسيرة، توهن العزيمة، توقد نار الهزيمة، توجع الفؤاد، تؤلم الروح، تكبو بالإنسان لقاع الخيبة والخذلان، لا يمكن لنا أن ننكر أن بعض لكمات الحياة موجعة حد الاستسلام أو حد موت الأمل واحتراق الغاية، لكن تعويذة النصر التي ألقاها الرافعي على أرواحنا، لا تُمنح للغارق في مستنقعات الذبول، بل تُمنح للأفئدة السامية، التي تقلدت التوكل وساماً تخفق به، واكتست الرضا رداء صدق وسمو، وجعلت من أوردتها معاقل إيمان، فأمسى النبض، همةً تُصقل بمرور النوائب وسير المصائب، فتزداد ألقاً بنصرها على ضعف إمكانياتها، حيث أن تكاتف اللكمات واجتماع الضربات لم يقضِ بهزيمة الأرواح السماوية وإنما ينعقد حبل العزيمة وتشتد أواصر المبادئ التي اكتنزت الروح بها، فتنصاع جباه الصعوبات أمام زئير نصر لُب المرء الذي تسلح بالتوكل والأخذ بالأسباب والرضا كسيف بتار ورمح قد سدده الله بعدما أُتبعت النية بالسبب.

 

يجب نوقن حق اليقين أن ما دبره ربنا هو أحسن التدبير، لا نرتد على أعقابنا ونعود لجوانب خيالنا نتوسد الاستسلام ونلتحف الأحلام، وأن نقنع أن الرضا بمكروه القضاء أعلى درجات اليقين

وأُردِف السبب بالعمل، فكان الإتباع وحسن النية والإخلاص السبيل للخلاص، الذي يتمثل بتمكين مطالبنا الثورية وإحداث ثورة على النظريات المثالية، فنرمم جسر الانتقال من الشعارات الهادرة والهتافات الصادحة إلى الحقيقة الواضحة والنظرة الواقعية، ولترميم هذا الجسر الذي بني من الفكرة والدافع لن نحتاج سوى "إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الأَرضِ وَآتَيناهُ مِن كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا" إنا مَكَّنا له في الأرض، وأعطيناه من كل شيء يتعلق به مطلوبة طريقًا يتوصل إليه، حينما صدحنا بالحرية، وهِبنا سبيل الحصول عليها، فإن ضيعنا الأسباب، وتاهت الخطى في السراب أفلتت منا الغاية الحقيقية، وضعنا في الخراب، ليتجلى لنا حبل النجاة وطوق الحياة "فَأَتبَعَ سَبَبًا".

نعقلُ خيل أهدافنا ونوجه أكف أفئدتنا لله، أن له نمضي لا لسواه، نصل الغاية المنشودة بالواقع العملي بنسيج الفعل وخيوط العمل، قد نتعثر، نكبو، نتعس نعبس نيأس، لكن اللكمات تزيد ضراوة ألبابنا وشراسة أرواحنا فنستزيد أملاً ونستقي دافعاً للإكمال لا بمنطق الخيال وإنما بالواقع الذي نخطه بالأخذ بالأسباب وتحري الصواب، فلا بد من ترميم الفجوة ما بين المثالية والواقعية الثورية بحبال الأسباب التي تنجينا من الغرق في متاهات الفكرة المجردة من روحها إن لم ترق فيها دماء الواقع الذي يمكّنها من الاستمرار والبقاء، فما بين الحلم والحقيقة، الوهم واليقين، السراب والوجود، الإنهاك والعزيمة، الهزيمة والنصر، سلم السبب وغمام التوفيق، وغيث العمل، الذي ينفخ الحياة في دمى الأحلام لتحط رحالها على أرض الواقع ما استطعنا لذلك سبيلا في رقع البعد وتقريب الاختلاف ما بين المثالية والتطبيق، لتكون المظلة الجامعة وعين الحقيقة البائنة الأخذ بالأسباب والتوكل على رب الأرباب، وإن تعثرت القلوب وكبا خيل العزيمة وتبدت الهزيمة بأسمالها التي حيكت من أيامنا، أنسخط؟ معاذ الله.

بل نطرح الوهن ونبعد الألم، ونوقن حق اليقين أن ما دبره ربنا هو أحسن التدبير، لا نرتد على أعقابنا ونعود لجوانب خيالنا نتوسد الاستسلام ونلتحف الأحلام، بل نغمد سيف المقارعة، لنسل سيف اليقين الذي خط عليه أن الرضا بمكروه القضاء أعلى درجات اليقين. لا يخالجنا شك أو ظن، بل يقين نتبعه بالسبب ونشد آزره بالصبر ونكسوه الإقدام رداء وننفخ فيه روح الهمة ليكون ترياق النصر سبيل الوصول للتوازن الذي يقضي بتوحد الطرح والتطبيق، نرمي ترياقنا على حواف مجدنا التليد، لتتضح البصيرة وتذلل المسيرة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة