تريدها زوجة أم صديقة فقط؟!

blogs زواج حجاب

من الملاحظ أن العلاقات العاطفية ذات الصبغة الحميمية بين الجنسين لم تعد مقتصرة في عصرنا الحالي على ما يسمى بالزواج؛ حيث أضحى هذا الأخير لا يأتي إلا بعد أن يسبقه تخالل وتصاحب، وقد يتخلف أساسا بعدما وجد بديل يعوضه، على عكس ما كان عليه الأمر في غابر الأزمان الذي لم يكن يسمح فيه لأي من الجنسين أن يستمتع بالآخر ومعه تحت أي شعار غير شعار الزواج، وطبعا فإن لهذه الظاهرة عدة دوافع وأسباب، كما أن لها نتائج وخيمة على منظومة الحياة البشرية؛ خاصة إذا ما تعلق الأمر بواقعنا العربي والإسلامي الذي لا زال متشبثا بمفهوم الأسرة من حيث إنها نواة المجتمع.

ولسبر أغوار هذه الظاهرة بدقة وإحكام لا بد أن نعرج على قضية مهمة تناولتها كتب فكرنا الإسلامي، ألا وهي إشكالية التحسين والتقبيح، هل هما عقليان أم شرعيان؟ أم هما معا؟ بمعنى هل نستند في حكمنا على الأشياء بالحسن أو القبح إلى العقل المحض أم إلى الشرع أم إليهما معا؟ ورغم أن أحكامهما غالبا ما تتفق إلا أنها في بعض القضايا تفترق، نتيجة لاختلاف طبيعتهما ومجالهما ثم معيارهما في الحكم، يقول الله تعالى: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" ويقول ابن خلدون: "العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة" فالعقل المحض يحكم بالحسن على كل شيء يلائم طبيعة الإنسان ونوازعه ومصالحه الآنية كما أنه يحكم بالقبح على كل شيء يتعارض مع ما سبق ذكره من هذه المتلائمات.

 

وأما الشرع فيحكم بالحسن على كل ما يرضاه الله ويثيب عليه، كما أنه يحكم بالقبح على كل ما يبغضه الله ويعاقب عليه، وللتوضيح أكثر نعطي الزكاة وارتباط الجنسين خارج الزواج مثالين لما نرمي إليه؛ فلا أحد يخالف في أن فريضة الزكاة شيء حسن شرعا، لكنها قبيحة بالنسبة للعقل المحض، لأنها بالنسبة له عبارة عن إنفاق المال فيما لا يعود على صاحبه بالنفع الآني، كما أنه لا يختلف اثنان في أن الارتباط قبل الزواج قبيح شرعا، لكنها بالنسبة للعقل المجرد شيء حسن، خصوصا إذا ما كان مبنيا على رغبة الطرفين وتعلقهما الشديد ببعضهما البعض، وما الإعراض عن الأولى في عالمنا الإسلامي والإقبال على الثانية إلا نتيجة مباشرة لتحكيم عقلية غير موجهة بتعاليم شريعتنا الغراء.

تلاشت مقاصد الزواج الكبرى وجردت منه روح القداسة المثلى، ولم يعد إلا أحد التقاليد التي خلفها الآباء والأجداد بل صار شبحا يهبه كل الشباب، فكيف يجرؤ أحدهم على ولوج نفق مظلم له تبعياته المادية والمعنوية

والحاصل أن العقل في غالب الأحيان معيار سديد للحكم على الأشياء، لكن مشكلته أنه لا يستغني عن الموجه أثناء الحكم؛ بمعنى أنه لا ينفك عن خلفيات صاحبه، فهو دائما ما يرى الأشياء ويحكم عليها من خلال زاويته ومعتقداته، ولا تتحد رؤاه وأحكامه إلا إذا اتحدت تلك الخلفيات والمعتقدات، كما هو الشأن في الأحكام المبنية على قيم إنسانية كونية لا تقتصر على طائفة معينة، لذا تتنوع العقول وتختلف حسب هذه الخلفيات الموجهة، وبالتالي إذا لم يكن عقلك موجها بشرع ربك فتيقن أنه موجه بشيء آخر؛ غرائزك أو أهوائك أو سمه ما شئت، المهم أنه موجه لا محالة شئت أم أبيت، وهنا أستحضر ما قرأته لأحد المدونين على منصة الجزيرة أنه قال في سياق التضخيم من شأن الغريزة الجنسية ودورها المحوري في حياة الإنسان: "أنها تتحكم في العقل" ورغم أنني أختلف مع المدون الكريم وأستبعد أن هذا الأمر حاصل في كل العقول إلا أنني أحييه على صدقه في التعبير عما يجده في نفسه أو يلمسه في محيطه، فكثير من الناس عقولهم توجهها غرائزهم ولم يخضعوها بعد لتوجيه شرع بارئهم!

يضاف لما سبق أن العولمة بصفتها فرعونية العصر تعتبر عاملا أساسا في تغذية هذه الظاهرة، خصوصا في جانبها الإعلامي "السنيمائي" حيث تلفي منتوجاتها الفنية في أوساطنا الشعبية كل شروط التلقين المحكم؛ أذنا صاغية، أبصارا خاشعة، عقولا إمعية، قلوبا خالية.. فلا تلبث بنيات أفكارها التي تزرعها في تربة عقولنا الخصبة إلا أن تنمو وتزدهر وتثمر.

ومما أثمرته وتلاقح مع معطيات فرضتها ظروف اجتماعية واقتصادية وأسهم بدوره في فشو هذه الظاهرة هو تحريف مفهوم الزواج وتشويه صورته، حيث تلاشت مقاصده الكبرى وجردت منه روح القداسة المثلى، ولم يعد إلا أحد التقاليد التي خلفها الآباء والأجداد بل صار شبحا يهبه كل الشباب، فكيف يجرؤ أحدهم على ولوج نفق مظلم له تبعياته المادية والمعنوية ويخلف وراءه بديلا أفضل؛ يمتاز بتنوعه وخلوه من التبعات، حتى أنني سمعت أحد الشباب العزب الناشطين في الساحة الإعلامية المغربية يقول في جوابه عن سؤال وجه إليه يتعلق بحياته العائلية: "علاش نشتري البقرة والحليب موجود في الزنقة" يقصد لماذا يكلف نفسه الزواج وتبعياته وهناك بديل أفضل؟! وهذا يدل دلالة واضحة على مدى جهل شبابنا بمقاصد الزواج التي اندثرت في خضم الحملات المادية الجارفة؛ حيث أولى مقاصده هي خلق الحصانة والعفة لكلا الزوجين وضمان استقرارهما النفسي والروحي كما جاء في القرآن الكريم "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" ثم إعمار الأرض بالنسل الطيب الصالح، فهذه المقاصد العظمى لن تجدها البتة في غير هذا النظام الأسري الخالد.

أخيرا لن نتخلص من مثل هذه الأزمات إلا إذا بنينا تصوراتنا للأشياء على أساس قرآني عقلاني، أي على أساس العقل الموجه بالشرع، والشرع المفهوم بالعقل؛ حينما نعطي المجال لهذين المعيارين العظيمين أن يتلاقحا ويتفاعلا.. حينها حدثني عن التقويم الصحيح للأشياء، ولعل الشرائع السماوية لم تنزل إلا لهدف هذا التوجيه الرشيد، فأكرم به من توجيه وأعظم!