أطفالنا لا يحلمون.. متى تتغير مناهج التعليم لتكون بمصلحة الطالب؟

blogs تعليم

يعيش الطفل داخل المدرسة وخارجها حالة من العبثية والشرود دون أن يكون محور العملية التربوية بحق. فقد أصبح اليوم وبعد ثورة تونس 2011 يعاني من غياب البرامج والسياسات والمناهج الواضحة والخاضعة لمقاييس علمية وتربوية عالمية الشيء الذي جعل منه آلة قابلة للتلقين والحفظ تكرّر وتعمل دون حلم وهدف حقيقي يسكن تفكيره منذ الصغر وتغذيه الأيام والدراسات الموازية لنمو الطفل وتدرجه في المعارف مم ينعكس إيجابا على أخلاقه واختياراته ونتائجه. إن أبنائنا في الحقيقة في خطر حقيقي سلب منهم ميزة هامة وضرورية تسمو بالطفل نحو مرحلة الإبداع. مدارس وإدارات ووزارة تسيّر وتشرف وتطبّق الإصلاح خلف الإصلاح.. وزير يأتي ووزير يذهب.. تغيير كتب ونصوص بعينها ميتة وجامدة لا تحرّك التلميذ ولا تغازله. صور ملوّنة وشخصيات لا تستميله.

إنّ الإصلاح الحقيقي يبدا بالاعتراف بأننا فشلنا وأننا في حاجة إلى إعادة رسكلة وتكوين تأخذ بعين الاعتبار الظروف والمحيط الذي يعيش فيه المربي بصفة عامة.. نحن فشلنا والسبب الرئيسي في ذلك سياسة الدولة المهمشة للوضعية المادية والنفسية لكل العاملين بالمؤسسات التربوية.. أمراض متراكمة وعجز صحي وحالات جنون وخروج عن الموضوع.

التلقائية والعفوية اللذان يتميز بهما الطفل في هذه المرحلة في حاجة للتدعيم والتأطير حتى يتمكن من حل أبسط مشاكل الحياة بنفسه وقدراته الذاتية بإرادة حرة وغير مقيدة

أين الطفل من هذا كلّه سوى رقم من أرقام دفتر المناداة شبيه بمعلّقة حقوق الطفل القابعة لسنوات والمعلّقة صوريّا في مدخل كل إدارة مثلها مثل صورة الرئيس التي كانت تعلق في كل الأماكن وتشترى قبل بداية أي مشروع من دون أن يكون لها فاعلية أو جدوى سوى مجرد أوهام وزرع الخوف في الأذهان.. حقيقة إنها طفولة مكبلة بالموروث تحيط بها الأنظمة والقوانين والبيروقراطية من كل مكان. مناقصات ومعاملات مشبوهة واختلاسات في الخفاء ومراكز بحث معدومة وثلّة معدودة تستفيد وتتمعّش من الورق ومتفقدين بالأسماء يكتبون ويتقاسمون وكأنهم يعيشون بعيدا عن عالم الطفل ومتطلباته.

الأطفال يبحثون عن صرخة تخرج من الأعماق وعن ضحكة تدوي في الأرجاء. الأطفال يبحثون عن الحب والأمل ومدرّس صديق وقريب يترك الدرس جانبا ويسمعهم بكل انتباه. يعيش معهم مشاغلهم واتعابهم واختياراتهم وتطلعاتهم. أطفال يبحثون عن الثقة والحب والحلم المشترك والبريق النائم في العيون.

يجب أن يكون شعارنا في هذه المرحلة هو مزيد الاقتراب من أطفالنا وحضنهم بسبب وبدون سبب. يجب سقي أحلامهم حتى تكتمل. لكن للأسف كل شيء في مدارسنا الابتدائية والإعدادية والثانوية يوحي بالقدم. تجهيزات متهرّمة من أيام الاستعمار ومربّي يكتفي بالدرس دون اكتساب مهارات جديدة تجعل التلميذ ينشدّ إليه وإداري او موظف يفكّر في الراتب والحياة ولا يجد الوقت للنهوض بأبنائنا والاستماع لمشاغلهم. نقص فادح في العملة والقيمين والإداريين يخلق جو مشحون وصراعات. للأسف يتآمر القانون التوجيهي للتربية والتعليم والنظام الداخلي للمدرسة والنظام التأديبي على التلميذ فيعطّل فيه جانب الطرافة والإبداع ويدعّم لديه الرتابة والعنف داخل الوسط المدرسي.

نحتاج اليوم إلى عمل مشترك ومتواصل نحو النهوض بأبنائنا وزرع بصيص النور في عيون أبنائنا، نحتاج اليوم إلى روح جديدة وتغيير أكثر منه في العقول حتى تكون المدرسة بمثابة الأسرة لهم
نحتاج اليوم إلى عمل مشترك ومتواصل نحو النهوض بأبنائنا وزرع بصيص النور في عيون أبنائنا، نحتاج اليوم إلى روح جديدة وتغيير أكثر منه في العقول حتى تكون المدرسة بمثابة الأسرة لهم
 

كل شيء في مدارسنا يوحي بالضبابية وسوء التقدير ومحاولة إخراس الطفل وشلّ حركاته في الوقت الذي هو في حاجة ماسة للكلام وللحركة وللتعبير. اليوم وكلّ يوم يجب أن أقول لابني تكلّم.. تكلّم بصوت عالي لأسمعك.. تحرّك.. تحرّك بكل حرية وانطلق. الخوف كل الخوف من سكات الرضيع وصمته. أطفالنا في حاجة إلى رحلة صيد بين الحين والأخر حتى يعشق الطبيعة التي ستكون محيط حلمه ورغباته فمتى استقبلته العصافير وانغمست في اللعب معه نسي مرارة الواقع وسخافته ورتابته واقبل على الدرس حيا نشيطا.

 

نحتاج اليوم إلى مصالحة بين التلميذ والمربي بصفة عامة تكون حاجزا وديعا أمام ديناميكية الحياة وسرعتها ولحظات الفراغ ومحيط الطفل الخارجي الذي يتقاسمه أصحاب السوء وعصابات المخدرات والضياع. نحتاج اليوم إلى عمل مشترك ومتواصل نحو النهوض بأبنائنا وزرع بصيص النور في عيونهم. نحتاج اليوم إلى روح جديدة وتغيير أكثر منه في العقول حتى تكون المدرسة بمثابة الأسرة وبمثابة الجدّ والجدّة في احتضانها للطفل.

يحتاج أبنائنا إلى فضاء مفتوح كلّ صباح يرددون فيه تحية العلم شفاهيا ويلعبون ويصرخون على اعتبار أن بعض الدراسات تعتبر السنوات الأولى من الحياة هي التي تبلور وتنحت ملامح شخصية كلّ فرد وتطورها. إن التلقائية والعفوية اللذان يتميز بهما الطفل في هذه المرحلة في حاجة للتدعيم والتأطير حتى يتمكن من حل أبسط مشاكل الحياة بنفسه وقدراته الذاتية بإرادة حرة وغير مقيدة مم يسهل عليه التواصل والاندماج والتسلسل في معالجة الأمور. في النهاية نحن نريد خلق جيل جديد حالم بمستقبل أفضل بعيدا عن الإرهاب المادي والمعنوي وكل أشكال التصرف الهمجي والعبثي تجاه أطفالنا الصغار.