شعار قسم مدونات

حجابي وهاجس أمن المطار!

blogs امرأة بالمطار

تعنى الأجهزة الأمنية في كل مطارات العالم بالتحقق من التزام كل المسافرين بتعليمات ركوب الطائرة، وإجراءات التفتيش والأمن، حرصاً على سلامة المسافرين، وهذا أمر هام بالطبع لكل مسافر: أن يصل بأمان إلى وجهته، وبالتالي فإن إدراك أهمية هذه الإجراءات الدقيقة في حفظ الأمن للجميع يجعل الأمر مقبولاً لكل المسافرين.

لكن انتشار الهجمات الإرهابية في عدد من الدول الأوروبية، واتهام عرب ومسلمين بدعمها أو القيام بها، سلط مزيداً من الرقابة على المسافرين العرب والمسلمين، ومن ضمنهم المرأة المحجبة، إذ لا بد وفقاً للتعليمات من التثبت من عدم إخفائها في ملابس حجابها ما هو محظور اصطحابه معها إلى الطائرة، وجرت العادة في العديد من المطارات الدولية اصطحاب المرأة المحجبة إلى غرفة خاصة حتى تتفحص حجابها بالأجهزة المخصوصة امرأة من أمن المطار، وهو إجراء أمني مناسب جداً، إذ لا تسطيع المرأة المحجبة التخفف من ثيابها وإزالة غطاء رأسها أمام الجميع كما يفعل الآخرون عند نقطة التفتيش، فمنديلها ليس بقبعة وجلبابها ليس بمعطف، وهذا أمر تحسن بعض النقاط الأمنية في المطارات التعامل معه، وتسيئ في حين آخر بعضها.
 
وفي ذلك اليوم كان موعدي مع هذا البعض المسيء، امرأة من أمن المطار ممن يصدق عليهن قصد الإساءة تحت ذريعة قانون التفتيش، لتطلب مني عندما جاء دوري أن أنزع جلبابي وأعبر دونه الحاجز للجهة المقابلة، لأجيبها على الفور أنني ألبسه لأسباب دينية ولا أستطيع نزعه إلا بالغرفة المخصصة كما أفعل باستمرار في مطارات أوروبية عدة، لكنها رفضت بعنف وطلبت مني أن أتنحى جانباً حتى يعبر ممن هو خلفي، ظناً منها أن ذلك سيدفعني لقبول ما طلبته مني، لكنني رفعت يدي عالياً عند الحاجز المكتظ بالمسافرين، وناديت بصوت واثق واضح: أين مسؤول الأمن؟ جاءني مسرعاً رجل من الشرطة ليعيد علي ما قالته تلك المرأة ثانية، فسألته: أأنت المسؤول هنا؟ أجابني: لا، فرفعت يدي ثانية وقلت بصوت أوضح وأقوى من سابقه: أريد أن أتكلم مع مسؤول الأمن.. لحظات ساخنة متسارعة وسط حركة نشطة للمسافرين، والكل ينظر ويراقب، ماذا سيفعل رجال الأمن معي، وكيف سيكون موقفي وموعد الطائرة يقترب؟
  

أرجوك يا سيدتي في المرة القادمة ألا يكون ما ترتدينه لأسباب دينية يشبه المعطف بحال، فليس كل ضباط الأمن في المطار سيسمحون لك بالمرور به، حتى وإن فاتتك كل الطائرات

لم أشأ إحداث بلبلة، ولم أعمد إلى تصوير ذلك ونشره، كوسيلة إحراج لرجال الأمن، لأني أدرك أهمية الحفاظ على أمن المسافرين، وضرورة التزام التعليمات لذلك، وأدرك معها عبر رحلاتي العديدة في المطارات الأوروبية الكيفية المتبعة في تفتيش المرأة المحجبة، كان همي أن أجد حلاً مناسباً لي ولكل امرأة محجبة تعبر حاجز التفتيش من بعدي، فلا بد من المطالبة بتفتيش خاص مراعاة للخصوصية الدينية حتى يتثبت هذا الحق، وتتخذ لأجله الإجراءات المناسبة مع كل امرأة محجبة، على نحو تطبق معه الإجراءات الأمنية دون مساس بالخصوصية الدينية.

جاء المسؤول، واتخذنا جانباً من المكان للحديث بهدوء حتى لا نعيق حركة المسافرين، حييته بلغته، وأخبرته بهدوء بطبيعة الموقف، هذه هي التعليمات، قال لي: ما تلبسينه يا سيدتي يبدو لي كالمعطف، ولا بد من خلعه، فأجبته: وهذا ما أفعله في مطارات عدة، لكن في غرفة تفتيش خاصة، قبل أيام مررت بمطار روما، ولأنهم يراعون مرور الكثيرين ممن يرتدون ثياباً خاصة لأسباب دينية، قاموا بتفتيشي في غرفة خاصة، سيدي الضابط: أريد إيجاد حل مع حضرتك، موعد إقلاع طائرتي يقترب، وأنا أعرف أهمية الإجراءات الأمنية والتزم بها دائما.

 

واستمر حوارنا دقائق معدودة، وأمام هدوئي وثقتي مما أقول وأنا أتكلم معه بلغته، تجاوب معي وطلب مني الذهاب إلى غرفة التفتيش المغلقة لتلحق بي امرأة من أمن المطار تقوم بتفتيشي. قمت على الفور بتنفيذ ما طلبه مني، وأمام الجميع ممن كانوا يرقبون الموقف من بدايته، بما فيهم تلك المرأة التي أرادت إحراجي بذريعة الأمن، عبرت حاجز التفتيش بكل ثقة وهدوء، وما إن فعلت ذلك حتى ذهبت إلى ضابط الأمن المسؤول ثانية لأشكره لتفهمه ومراعاته لظرفي، وقابلني بالرد الجميل وأضاف قائلا: أرجوك يا سيدتي في المرة القادمة ألا يكون ما ترتدينه لأسباب دينية يشبه المعطف بحال، فليس كل ضباط الأمن في المطار سيسمحون لك بالمرور به، حتى وإن فاتتك كل الطائرات. ومنذ ذلك الوقت وأنا ألتزم بهذه النصيحة، وأنصح بها كل امرأة محجبة: أتخذ من ملابس حجابي ما أستطيع أن أعبر به حاجز التفتيش مما لا يشبه المعاطف ونحوها، علماً أنه يتوجب علي بعد ذلك الذهاب في كل الأحوال لغرفة مغلقة حتى تتثبت امرأة من الأمن مرة أخرى من عدم إخفائي أي ممنوع تحت منديلي.

 –
نعم.. هي إجراءات تمر بها كل امرأة محجبة مسافرة، مهما كانت جنسيتها، أتقبلها وألتزم بها لضرورة الأمن، لكني أتساءل معها: هل يتحقق أمني أنا بها؟ هل تكشف هذه الإجراءات الدقيقة عن كل ممنوع مهرب عبر المطارات بمئات السبل التي لا تخطر في البال، ليس من بينها حجاب امرأة؟ وأين كانت هذه الإجراءات حيث كان المسلمون من بين ضحايا هجوم إرهابي هنا أو هناك؟ هو العالم المنحاز إذن، الذي لا يستطيع أن ينظر إلينا سوى بدور المتهم!