كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

في مشهد تاريخي لسيدنا موسى عليه السلام أمام بحرٍ كبير يقفُ ومعه المؤمنين به، ينظر إليهم، إذ بالخوف قد تملّكهم، يقولون مضطربين ماذا أنت فاعل ياموسى "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ" لكنه ثابتٌ، ليس مثلهم، يستمد تلك القوة من ذلك الإيمان واليقين الكامن داخله، يُطمْئنهم ويقول "كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ".. على الجانب الآخر -حيث الواقفين معه-؛ كيف يؤمن موسى بكلمات ونحن بين خطرين، خطر البحر الواسع من أمامنا، ومن خلفنا جند فرعون على وشك اللحاق بنا ليقتلونا! بل كيف لنا أن نثق فيما يقول ونحن أمام خيارين لطريقة موتنا – بتقديرنا البشري-  إما أن نموت قتلًا، أو نموت غرقًا في محاولة الهروب من الموت قتلًا!.. لكن كل تلك التساؤلات لم تكن عند سيدنا موسى لأن ما قاله كان موقنًا به مصدقًا له، وكأنه كان ينظر إلى آية الله في نفسه، إلى اليقين التام داخله ليقول هذا، ويكون حقيقيًا، ويهديه الله ومن معه إلى النجاة، وبر الأمان من قلب ذلك البحر الواسع الذي كانوا يرونه خطرًا!

 

ليست الفكرة في أن تقول لفظًا "فوضت أمري لله" أو "إن معي ربي سيهدين" وداخلك يتقطّع قلقًا على ما سيحدث لك في الساعات أو الأيام القادمة، إنما الإيمان والتفويض الكامل، حيث السكون وعدم الشعور بالاضطراب نحو تلك الأمور.. إن ما يحدث معنا جميعًا هو حمل ثقل احتمالية حدوث تلك الأشياء المزعجة، وإنها لثقيلة جدًا، أن تتخيل شبح ذلك الشيء السيء الذي لم يحدث بعد.

 

نعم أحيانًا لا تسير الأمور كما تشتهي نفوسنا، ولا كما نحسب لها ونقدر، لكن في النهاية تقديراتنا بشرية، وحساباتنا تكون على قدر مد بصرنا، أو أقل من ذلك، لا نستطيع أن ننظر إلى الجوانب الأخرى المتعلقة بالغيب، ولا إلى تلك الحكمة المجهولة من حدوث هذه الأشياء أو عدم حدوثها، لذا نحتاج إلى شيءٍ ما يطمئننا ويبث روح الرضى في نفوسنا كي لا نيأس، أو نحزن، وهذا الشيء هو اليقين بتقديرات الله لنا، والرضى بقضاءه مهما كلفنا هذا الأمر من مشقة وعناء.

 

من أعظم مراحل التسليم لله، أن كل شيء له، من العبادات والفرائض، والحياة بأكملها، يريدك هنا أن تكون حياتك متصلة بقضيّتك، وحتى مماتك له أيضًا، في سبيله، في الطريق له

فكرة أن الله يعلم مايصلحنا، لأنه خالقنا، هي فكرة مريحة جدًا نفسيًا وبدنيًا إلى أبعد الحدود التي نتخيّلها، تجعلنا لا نتألم كثيرًا لفقد، ولا نحزن كثيرًا لمصيبة، قال تعالى في سورة الحديد "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)".. وهذا ما يعرفه المسلِّمون أمورهم له، لا تحزنهم الأشياء التي تدور، لطالما أنها لم تكن لهم يومًا، فلم تعذيب النفس على فقدها؟ ولطالما لم تكن مناسبة لحياتهم – وبكل تأكيد هي ليست مناسبة لهم – فلمَ اللوم الكثير، والأرق وإرهاق النفس لعدم نيلها شيئًا ليس لها!

 

"قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"؛ هل قلت ذلك حقًا ويقينًا وإيمانًا، لا بأس بالترديد، فهو مطلوب، لكن هل وقر في قلبك صدق تلك المقولة وعملت بها، هل كل صلاتك ونسكك ومحياك ومماتك له وحده بلا شريك ولا ندّ؟.. لسنا في موضع استجواب، وإنما أنت وحدك من يعرف مكانة تلك الكلمات في نفسك، وما تتلفّظه، وما تقر به، وما تقر وتعمل به.. هذه الحالة، هي من أعظم مراحل التسليم لله، كل شيء له، من العبادات والفرائض، والحياة بأكملها، يريدك هنا أن تكون حياتك متصلة بقضيّتك، وحتى مماتك له أيضًا، في سبيله، في الطريق له، في الصورة الصحيحة التي وضعك فيها على الأرض، أنك خلقت عبدًا له وخليفةً في أرضه، فلا تصل إلى هذه المرحلة من الشرف العظيم والانتماء إليه، إلا بتحقيق تلك الشروط، أن يكون كل شيء له.

 

وأمر التسليم هنا متعلقٌ جدًا بأمر الرضى بقضاء الله وقدره، هما شيئان يكمّل بعضهمُ الآخر، فحيثما كان التسليم وجدت الرضى، وأينما كان الرضى وجدت وراءهُ تسليمًا صادقًا وخالصًا.. ولم يكن هذا الكلام عبثًا، إنما يدركه من يعي حقًا، ويسلّم يقينًا، ويؤمن إيمانًا كاملًا بحكمة الله في سير الأمور، لأن الله وحده يعلم مقاديرها، وأين تكون، لطالما أخذنا بكل الأسباب الممكنة.



حول هذه القصة

قالت وكالة بلومبرغ الإخبارية إن الإهانات والشتائم التي دأب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على توجيهها لكل من يعمل معه ستكون لها عواقب، وإنه بذلك يضع نفسه على طريق الفشل.

29/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة