صورة مُلتفّة حول الجسد!

BLOGS سيلفي

حضّر الكاميرا الخاصة بك وخذها نحو الطبيعة الخضراء ذات البريق اللامع والتقط لنفسك صورًا فوتوغرافيّة ذات حرفيّة عالية. صور جسدك من أنحائه المختلفة ثم عد إلى حجرتك وعلق تلك الصور لكل قطعة من جسدك على كلل حائط وتأملها جيّدًا هل أعجبتك صور جسدك أم ما زال هناك عيوب ستبحث عنها وتبقى تحاول إصلاحها؟ لم أفكّر يومًا بأننا لا نرى أنفسنا كما يرانا غيرنا، فعادة ما نحب شكلَ شخص من ناحية معينة وهو نفسه يراها عيبًا. وكثيرًا ما نسيء لأنفسنا؛ إذ نحاول إصلاح أجسادنا كأنّها لعبة أو رسمة على ورق نستطيع محو أي جزء منها متى شئنا ومتى أردنا. لقد أُسرنا بمقاييس جمال مختلّة ومزيّفة حتى كاد الواحد يمشي منّا وكأنه هو من خلق نفسه؛ فيستحي من طوله أو من شكل أنفه أو عينيه أو حتى شعره ولا أبالغ إن قلت (نمرة) حذائه.

 

ولن أنفي عن ذواتنا المسؤولية حين تتفحّص وتتمحّص فتاة في عمر الأربع أو خمس سنوات نفسها في المرآة مرة بعد مرة وتمسك جلدة بطنها وكأنها تريد نزعه؛ لتكون كتلك التي رأتها على الشاشة. أو تلك الصبية التي تحاول جاهدة أن تجد جهاز تصغير الأنف؛ لأن أنفها لا يستوي مع غيرها من الكثير من اللواتي تراهنّ على الشاشات والتي تقارن بهن. يعاني كثير من الأشخاص من صورة جسدهم فتراهم يقفون عند المرآة بالساعات وربما يلجؤون للأدوية غير السليمة ولربما الحميات والرياضات غير الصحية حتى يَصِلوا للموت بحثًا عن جمال مزيّف لعين. فما أحمق واقع يجرّ بأبنائه للقبر بحثًا عن الحياة! ولن أحصر الفتيات وحدهن هنا ولكنني سأعطيهن النصيب الأكبر به؛ فهنّ البؤرة التي شوّهها المجتمع حينما ألقى عليها رصاص مقاييس الجمال الخادعة المكذوبة حتى باتت تعتزل نفسها وفكرها وأهلها وعالمها بغية الوصول إلى جمال ما أنزل الله بِه من سلطان.

إياك أن تكوني رسمة في لوحة أحدهم خذي فرشاتك وارسمي ذاتك كما يحلو لك دعك من كلام مسموم أو معسول كفي الطرف عنه وانطلقي نحو الحياة وأبحري نحو الإنجاز تثقفي وتجملي وكوني كما أنتِ

لا أتعجب أننا لا نملك الكثير من الفتيات العالمات والأدبيات مقارنة بالرجال فلدينا أمثال موبوءة بالسمّ الذي يميت قبل تذوقه فمنها مثلًا (الرجل لا يعيبه شيء) منذ متى ومن ذاك الذي قال إن العيب موجود بالشكل لِمَ لَم نبحث عن فتياتنا في مواقع الفكر بدل الجمال لِمَ لا نحضر لهن مستحضرات تجميلية تجمّل العقول فكتاب يتلو كتاب أو نصنعهن ليكنّ قائدات المستقبل لا أن تنتظر فارسًا يُغرم بشكلها المزيف وربما يأتي وربما لا. لقد ضيّقنا المجتمع بأفكار مغمسة حتى كدنا نرى أناسًا أمواتًا وهم على قيد الحياة وباتت الاضطرابات والمشكلات النفسية كمرض عصري والمؤلم أكثر أنّ مجتمعنا يبثّ الأمراض النفسية ثمّ ينبذ من يتعالج منها ويتّهمه بالبعد عن الله.. فقد بات الشكل الخارجيّ، شبحًا يهدّد أجزاء الكون ويخلخل مراكزه وقد أصبح الوزن المعيار الرسمي الذي يحكم أشخاصنا فمن يملك الوزن المثالي هو ذاك المنتصر.

فاحذري.. إياك أن تكوني رسمة في لوحة أحدهم خذي فرشاتك وارسمي ذاتك كما يحلو لك دعك من كلام مسموم أو معسول كفي الطرف عنه وانطلقي نحو الحياة وأبحري نحو الإنجاز تثقفي وتجملي وكوني كما أنتِ؛ حيث لا تعيقك حدود ولا مقاييس أو معايير. زخرفي لوحتك إن أردت وعلقيها على حائط الكون؛ ليرى العالم جميل صنعك وبديع أفكارك وحلو كلامك. إياكِ أن تكوني رسمة لها أن تُمحى أو يُعدّل عليها كوني من أجل ما خُلقتِ لإعمار الكون وانطلاقه؛ ليذكر اسمك وجمالك وجمال صنيعك في العالم أجمع. حذاري أن تموتي وأنتِ ما زلت تلاحقين مقاييس مكذوبة ملعوبة تتغير من مكان لمكان ومن زمان لزمان؛ مما يدل على أنّها معايير بلا معيار تداهمنا كالشبح وتسرق منّا عنفوان المرح وتجعلنا منغلقين على ذواتنا منعزلين عن الآخرين، لكن إياك أن تهمل ذاتك أيضًا فالله جميل يحبّ الجمال وكما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:

داؤك فيك وما تشعـر            وداؤك منك ولا تبصـر

وتحسب أنك جرمٌ صغـير       وفيك انطوى العالم الأكبر

وأنت الكتاب المبين الذي          بأحرفه يظهر المضــمر

فلا تستهتن بنفسك لمجرد صورة جسد زائلة وثق بأنك تملك كثيرًا مما يجعلك مبتسمًا.