"الجمعة السوداء".. هكذا يكون شكل الحياة في مجتمع استهلاكي

blogs تسوق

بمناسبة (الجمعة السوداء) أكتب، أو بنسختها العربية عند بعض التجار (الجمعة البيضاء) والجمعة السوداء -لمن لا يعرف- تطلق على الجمعة الأخيرة غالباً في شهر تشرين الثاني، بُعيد ما يسمى عيد الشكر في أمريكا، حيث تعلن مراكز التسوق عن تخفيضات كبيرة على الأسعار، ليتهافت الناس بعدها إلى هذه المراكز لشراء حاجياتهم، أما من سماها الجمعة السوداء فهم شرطة فيلادلفيا إذ يعملون على مدار ٢٤ ساعة لتنظيم حركة السير والناس خلال هذا اليوم.

 

وتشير الدراسات إلى أن المواطن الأمريكي ينفق في هذا اليوم (٥١٥ دولاراً) وانتقلت العدوى إلى عالمنا العربي ودخلت السعودية في العشر الأوائل وفاقت دولاً غربية في تصنيفها حيث يبلغ ما ينفقه المواطن السعودي في هذا اليوم (٢٤ دولاراً).

 

إن هذه الظاهرة خطيرة بلا شك لا سيما إن علمنا أن معظم هذه التخفيضات لا سيما في عالمنا العربي تشمل الكماليات من الأجهزة الالكترونية والكهربائية، وأن معظم ما يشتريه الناس لا يكونون بحاجة إليه في الحقيقة إنما هي الرغبة في التجديد والتغيير نحو الأحدث والأجمل، وهذا يشير بوضوح إلى تنامي ظاهرة (المجتمع الاستهلاكي) وظاهرة (المادية) التي يتحول فيها الإنسان إلى مادة مستهلِكة، ثم مستهلَكة، ولا ينظر إليه إلا من خلال ما يملك وكم يستطيع أن ينفق! فننتقل من خلالها من عصر القيم وعصر الأشخاص إلى عصر الأشياء بحيث تكون قيمة المرء متاعه، وبحيث يصدق فيه قول من قال:(معك قرش بتسوى قرش)!

 

ترتفع نسب الطلاق في المجتمع الاستهلاكي، وينتشر العقوق بين الآباء والأبناء، وتستشري الرذيلة والعلاقات الآثمة، كل ذلك سعياً لاهثاً وراء تحصيل المادة على حساب المبادىء والقيم

يعتمد المجتمع الاستهلاكي غالباً على الكم الهائل من الإعلانات الدعائية، ومن خلال دراسات وتحقيقات عديدة، تبين أن الإعلانات التجارية تمارس دوراً كبيراً في خداع المستهلك، ودفعه للشراء والمزيد منه. والإنسان في مجتمع الاستهلاك يحس بفقره قياساً على ما يحظى به سواه.

 

مظاهر المجتمع الاستهلاكي:

العزلة والغربة عن الآخرين:

يقول دافيد ريسمان: إن الفرد المتهالك على الكسب بغية زيادة قدرته على الاستهلاك، لا يجد الوقت اللازم كي يتصل بالآخرين، كي يصغي إليهم، كي يشعر معهم، كي يتبادل وإياهم. ولذا، تنكر المجتمع الاستهلاكي الحديث لقيمة المشاركة بين الناس، إذ شغلهم بالسعي اللاهث وراء أشياء يمتلكونها ويتنافسون في التسابق إليها.

 

العنف:

ينشئ مجتمع الاستهلاك غربة بين الانسان وأخيه، تنتج شعوراً بالفراغ والقلق والعنف، يقول روجيه غارودي: في مجتمعات يُحرم فيها السواد الأعظم من الناس من التمتع بالمشاركة، يصبح العنف شريعة الأفراد والجماعات، إذ يوظف مجتمع الاستهلاك زخمه في سعي لاهث إلى امتلاك الأشياء واستهلاكها، موهماً الانسان بأن تراكم الاشياء لديه وتجددها المستمر كفيلان بأن يرويا غليل قلبه.

 

الابتعاد عن القيم والمبادىء:

في الوقت الذي تنعم فيه بعض الشرائح الاجتماعية بكل ما لذ وطاب، وتقوم برمي أطنان من الأطعمة في سلات القمامة، هناك ملايين البشر تتعرض لسوء التغذية والمجاعة والموت.

 

مشكلات بيئية ناتجة عن التلوث البيئي:

مشكلات اجتماعية، فترتفع نسب الطلاق في المجتمع الاستهلاكي، وينتشر العقوق بين الآباء والأبناء، وتستشري الرذيلة والعلاقات الآثمة، كل ذلك سعياً لاهثاً وراء تحصيل المادة على حساب المبادىء والقيم.

 

لقد دعت الشريعة الغراء إلى الابتعاد عن ثقافة الاستهلاك، والاتجاه نحو ثقافة العطاء من خلال:

١- النهي عن الإسراف، وهو الاستهلاك بلا حساب ولو كان في الحلال، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" ويقول صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة".

٢- النهي عن التبذير، ويعني إنفاق المال على المحرمات، قال تعالى: "إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا". 

٣- تغيير المفاهيم بحيث يفهم المسلم أن سعادته ليست في تحقيق المادة، وإنما بقدر ما يملك من قدرة على الإسعاد "إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين"، "أسعدُ الناس من أسعدَ الناس" وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوزع شاة وتقول له عائشة رضي الله عنها: "لم يبق إلا كتفها" فيقول: "بل بقيت كلها إلا كتفها". وهذا عمر رضي الله عنه يمسك تفاحة ويقول: "أكلتها فنيت أطعمتها بقيت" فيؤثر ما يبقى ويطعمها للفقراء.

٤- المفهوم الجديد للغنى، يقول صلى الله عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس". فعندما يكون الغنى كثرة العرض فهذا يعني أن الإنسان جسم فقط وغناه يكون بقدر ما يملك، وسعادته تكون بقدر ما يستمتع به، وبقدر ما يرفه جسمه. أما عندما يكون الغنى في النفس فالسعادة تنبع من الداخل، ويسعد الإنسان بقدر قناعته بما آتاه الله، وبقدر ما يستطيعه من عمل صالح، يسعد به الآخرين.

٥- لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لآله فقال: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً" وفي رواية أخرى "كفافاً" بحيث يكون الإنسان مكتفياً ولكن لا يكون مسرفاً.

لقد استطاع الإسلام أن يقلب المفاهيم، وأن يجعل الإنسان يتخلى عن أحب ما لديه ابتغاء رضا الله تعالى، فهذا عثمان بن عفان ينظر في أحب ماله إليه بعد أن نزل قوله تعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" فيجد أن أحب ماله إليه "بيرحاء" فيجعلها في سبيل الله.

 

باختصار المجتمع الاستهلاكي سبب رئيس للعنف ولما يسمى "الإرهاب" وللمشكلات الاجتماعية، ولسوء الأخلاق، ولغياب القيم، فحين ينظر المستهلِك، إلى أنواع المستهلكَات المعروضة، بأبهى حلة، في وسائل الإعلام، وفي المتاجر، ومع غياب التربية الإيمانية أو ضعفها، يكون المستهلِك أمام خيارين:

١- أن يلغي أوقات فراغه، ويتخلى عن تربية أولاده، ليعمل أعمالاً إضافية لعله يستطيع تحصيل بعض مما تراه عينه ويترك حسرة في قلبه وقلب أسرته.

٢- أن يسعى إلى كسب غير مشروع لتحقيق طلبات أسرته المتزايدة، وهما أمران أحلاهما مرٌّ!

 

وخلاصة الأمر أننا لن نستطيع التغلب على هذا المجتمع وتلك الثقافة إلا بتربية إيمانية خلقية يستعلي فيها الإيمان على المادة، وتنتصر فيها المبادىء والقيم على الأشياء، ويعلو فيها صوت القناعة والرضا على صوت اللهاث وراء السراب، والمهمة صعبة ولكن حسبنا أنها الحق، وأن الحق يمتلك قوة ذاتية قادرة على تحقيق ما نظنه مستحيلاً، بل حسبنا أن الله هو الحق وهو ناصر الحق، وأن بذور النجاح في مهمتنا تنبع من داخلها، فالإنسان التائه بدأ يبحث عن شيء آخر تسمو به روحه، بعد أن عجزت المادة عن تحقيق راحته وسعادته، والله ولي التوفيق.