هل بدأ السوريون رحلة العودة إلى أرض الوطن؟

أخبرت "أم نضال" صاحب المنزل التي تستأجره منذ سبع سنوات، أنها ستغادره آخر هذا الشهر، عاقدة العزم للعودة إلى "سوريا". كانت "أم نضال" قد زَوَجت بناتها الأربع في لبنان، بقي معها ابنها الوحيد "نضال" الذي لم يُكمل العاشرة من عمره؛ لذا فهو ليس مطالبًا بعد بالخدمة العسكرية. تفقدت "أم نضال" منزلها الكائن في "ريف حمص" خلال الصيف، وكم فرحت لصموده رغم القصف والاشتباكات. صحيحٌ أنه نُهب عن بكرة أبيه، حتى شرائط الكهرباء لم تسلم من السارقين، إلا أن الجدران والأسقف ما زالت ثابتة.

بدموعٍ الفرح ودعتها جارتها السوريّة "أم تمام" وفي قلبها غصّة، فحلم العودة يراودها أيضًا، ولكن دون جدوى؛ فقد باعت منزلها بعد وفاة زوجها. وأولادها الشبان كبروا وتزوجوا، ولم يلتحقوا بالخدمة العسكرية، لذلك سوف يتم سحبهم إلى الجيش، متى تطأ أقدامهم أرض "سوريا". لا يختلف اثنين على حب السوريين لوطنهم، ورغبتهم الشديدة بالعودة إليها، خاصة الكبار، من شهدوا عز "سوريا" أفراحها وأتراحها، ترعرعوا في أريافها أو داخل أزقتها. الأغلبية الساحقة تتمنى العودة، ولكن تكثر الأسباب التي تحول دون ذلك. فهناك العديد من الحالات الصعبة بين النازحين، فقدوا أمل العودة. في المقابل، منهم فعلاً من يسوّي وضعه رغبة في العودة.

في لبنان تحديداً وداخل الأسواق، على ناصية الطرقات والواجهات البحرية، يقر ويعترف التّجار أصحاب المهن وحتى سائقي الأجرة، أن أعداد السوريون في تضاؤل ملحوظ. طبعًا ما زال لديهم وجود ولكن ليس كالسّابق، فالكثير حزم حقائبه وغادر. أكثر ما يلفت النظر، البيوت أو الغرف التي كانت تُستأجر من قِبل تلك العائلات السورية، رغم حالتها السيئة يرضون العيش فيها، ولا يقومون بالتصليح أو الترتيب أو حتى تحسين المظهر. يكفي أن يضعوا لوحًا من الخشب مكان الباب المكسور، أو قطعة من القماش مكان الستائر الممزقة. فلا يقومون بشراء أثاث، ولا حتى أدوات كهربائية. هم لم يشعروا يومًا بالانتماء إلى "لبنان"، أو حتى لديهم نية البقاء، فادخروا المال بانتظار فرصة العودة إلى أوطانهم، حيث بيوتهم الأصلية أحق وأجدر بأموالهم.

الخوف من النظام وويلاته هو المانع الأكبر لعودتهم إلى قراهم ومدنهم، بانتظار عفو عام صادق، أو حتى إصدار قانون استرحام بعد أن أصبح بقاء الأسد ونظامه حقيقة مؤكدة وباقية

في البداية بدأت مسيرة العودة مع العائلات التي تملك منزلاً في سوريا، وسلم هذا المنزل من الدمار الشامل. كذلك عاد من هو سالم من أيدي نظام الأسد، ومن لم تلاحقه تهم الخيانة والتهرب من الخدمة العسكريّة أو ما شابه، أيضًا عاد من جمع مالاً كافيًا؛ ليبدأ حياة جديدة على أرضه، حيث الأسعار منخفضة مقارنة "بلبنان". ومنهم من غادر بأفراد عائلته فقط إلى "الشام"، وبقي هنا يعمل كونه حصل على وظيفة ثابتة، أو حتى أجر مقبول.

وتعود رغبة السوريين بالمغادرة إلى عدة أسباب، منها التضيق الذي يحصل لهم في "لبنان" من حيث القوانين، التي فرضت وجود كفيل للعائلة الواحدة مع دفع رسوم مرتفعة. ناهيك عن ملاحقة رجال الأمن اللبناني لهم في المجمعات ومراقبة أوراقهم، ثم معاقبة المخالفين أو ترحيلهم. وما هو أهم بالنسبة لهم توقف المساعدات والدعم المادي عنهم، خاصة من قبل الأمم المتحدة والجمعيات، مما أثقل كاهلهم أمام الغلاء الفاحش في "لبنان" مقارنة "بسوريا". ويبقى تلويح الأعلام بمسلسل إعادة الإعمار، بالإضافة إلى الاستثمارات المستقبليّة المدعومة من المجتمع الدولي، شكل مصدر إغراء قوي لدى العديد منهم، فلقمة العيش ألذّ وأبرك على أرض الوطن.

ها هي مسيرة العودة بدأت حتى وإن كانت بطيئة، فلكل عائلة ظروفها التي تعالجها من أجل العودة.. ولكن تبقى العين على النظام الذي يمنع بتهديداته العديد من العائلات بالعودة إلى سوريا، فأيدي رجال الأمن اللبناني أحنّ وألطف بكثير من "كرباج" رجال الأمن السوري، وجدران السجن في لبنان أهنئ من صراخ التعذيب في سجون "سوريا" المظلمة. هي الحقيقة المرّة التي تدور في مخيلة شباب "سوريا" في "لبنان".

فالخوف من النظام وويلاته هو المانع الأكبر لعودتهم إلى قراهم ومدنهم، بانتظار عفو عام صادق، أو حتى إصدار قانون استرحام بعد أن أصبح بقاء الأسد ونظامه حقيقة مؤكدة وباقية. أما من هو فاقد الأمل بالعودة، أمثال المطلوبين والمنشقين من الجيش والنظام، كل هدفهم اليوم البحث عن مستقبل مُشرق خارج لبنان، في بلدان مثل (تركيا أو كندا)؛ لبدأ مشوار جديد مع الحياة. ويبقى الوطن حسب زعمهم موجود في الأغاني والمسرحيات، وحلم الحرية يلاحقهم. حيث يروي قصة وطن سرقت ثورته، من ثم استثمرت وبيعت بأبخس الأثمان، بأسواق الدولار حينًا، والروبل حينًا آخر.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة