ماذا بينك وبين الإسلام يا سيسي؟!

في أول حوار صحفي له مع الواشنطن بوست، بعد مرور شهر واحد على انقلابه العسكري، أكد السيسي للصحفية (ليلي ويموث) أنه ما قدم إلى الحكم إلا لإجهاض المشروع الإسلامي الذي أراده الرئيس "محمد مرسي"، حيث قال نصا: "لو كان الانقلاب عليه لفشله، كنا صبرنا عليه لانتهاء مدته، ولكنه أراد إحياء المشروع الإسلامي والخلافة". وبعد عام كامل من هذا الحوار، وفي لقاء له مع فضائية "العربية" ذات التوجه العلماني قال نصا: "لن يكون في مصر قيادات دينية ولن أسمح بذلك، فأنا المسئول عن الأخلاق والقيم والمبادئ"، ثم أكمل قائلا: "والدين أيضا"، وهنا قاطعته المذيعة متسائلة: "والدين أيضا؟!"، فأكد السيسي فكرته: "وعن الدين أيضا".

لكنه عاد في عام 2017 أكثر صراحة ووضوحا في تعامله مع الإسلام، حين صرح لشبكة "فوكس نيوز" الأمريكية (المعروفة بتوجهاتها المتطرفة): أنه لا مكان للدين في الحياة السياسية بعهده. لم تكن إذن تصريحات "السيسي" في ذكرى ميلاد الرسول الأعظم هذا العام 1440 هجريا، (2018 ميلاديا)، والتي أساء فيها للإسلام والمسلمين، وقلل من خطورة الدعوات للتخلي عن السنة النبوية، بمختلفة عن سياق حرب بدأها مبكرا، ومبكرا للغاية، مع الخيوط الأولى لمؤامرته للاستيلاء على حكم مصر.

تصريحات السيسي هذا العام، جاءت على نسق سابقاتها، صادمة وجارحة لمشاعر المسلمين في شتى بقاع الأرض، حيث اعتبر السيسي إن "اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مجرد أقوال لبعض الناس، والمشكلة تتمثل في القراءة الخاطئة لأصول الإسلام، قائلا: يا ترى الذين كانوا يقولون لا نأخذ بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونأخذ بالقرآن فقط، إساءتهم أكبر؟ أم الإساءة التي تورط فيها المسلمون بفهمهم الخاطئ ونشر التطرف في العالم كله؟!".

اتبع السيسي مع الدين الإسلامي سياسة إذلال وتركيع لرموزه، وحرب شعواء على شعائره وتعاليمه، بينما اتبع مع الديانة المسيحية، سياسة الاسترضاء والتودد المعلن من الكنيسة ورجالها

يقلل السيسي من خطورة الدعوات للتخلي عن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتي تعدل نصف هذا الدين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه). ولم ينس السيسي كعادته، توجيه الإهانات لمسلمي العالم أجمع، متسائلا: "ماذا عن سمعة المسلمين الآن في العالم؟! واستطرد بقوله: سلوكياتنا بعيدة عن صحيح الدين في الصدق، والأمانة، واحترام الآخرين، والرحمة بالناس. متابعا: حد يقولي كام في المئة من المصريين لم يكذب قط في حياته؟!

 

كثيرة هي التصريحات التي رأى فيها المتابع المصري والعربي لخطب السيسي في المناسبات الدينية المختلفة، إساءات بالغة لدين الإسلام ومعتنقيه، بل ودعوات صريحة من قائد الانقلاب العسكري لطرح الدين تماما من حياة المصريين،  كانت أكثر التفسيرات اعتدالا لأفعال السيسي، تُرجع ذلك، لرغبته المحمومة في السيطرة على الدين الإسلامي وتدجينه وإعادة تفصيله ليناسب مقاسات انقلابه العسكري، فالدين هو أحد أسلحة الطغاة الماضية في معركتها لتركيع الشعوب، ولم يكن احتواء المشهد الأول للانقلاب العسكري، لحظة اعلان السيسي بيانه، على ممثلين للدين الإسلامي والمسيحي في مصر (شيخ الأزهر ورأس الكنيسة) سوى جزء وثيق الصلة بسياسة ستبقى هي الخط الأساسي لحكمه على مدار خمس سنوات، استخدم فيها الدين، بالإضافة للأمن والإعلام والقضاء، كأدوات تمكنه من احكام قبضته على البلاد والعباد، إلا أن طريقة السيسي التي اتبعها في السيطرة على الدين الإسلامي وأتباعه، والديانة المسيحية وأتباعها، كان مختلفا تمام الاختلاف.

حيث اتبع مع الأول سياسة إذلال وتركيع لرموزه، وحرب شعواء على شعائره وتعاليمه، بينما اتبع مع الأخير، سياسة الاسترضاء والتودد المعلن من الكنيسة ورجالها، والتخويف المبطن لأتباعها من خلال السماح بعمليات إرهابية متكررة، يعقبها زيادة في عطاءات النظام الانقلابي للكنيسة المصرية، ومزيد من التصاق الأخيرة به طلبا للحماية، وأخيرا: إلقاء التهمة جاهزة وفورية لأتباع الدين الإسلامي بالإرهاب، لمواصلة تضييق الخناق عليهم، ومزيد من الاعتقالات والتصفية في صفوفهم.

حرب على الإسلام وعلاقات دافئة مع كافة الديانات الأخرى والعقائد

حرب السيسي على الإسلام، يراها كثيرون، لا تنبع فحسب من محاولة سيطرته على الدين وتدجينه، بل ربما تنبع من علاقة ملتبسة وعداء غير مفهوم مع ذلك الدين، وحجتهم في ذلك هو هذا الاختلاف الشاسع في تعامله مع الديانات الأخرى في مقابل طريقة تعاطيه مع الإسلام. حيث يحرص السيسي على استرضاء أتباع كافة الديانات المختلفة وحتى العقائد الفاسدة، فنجده يستقبل سلطان طائفة البهرة بالهند، "مفضل سيف الدين" في زيارته لمصر (شبه السنوية)، استقبال الملوك، وهي الطائفة التي أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوي برقم 261071 اعتبرتها فيها: عقيدة فاسدة خارجة عن الإسلام.

كما سعى السيسي بعد انتخابه بستة أشهر فقط، إلى إعادة العلاقات المقطوعة مع بابا الكاثوليك "بنديكتوس السادس عشر" إثر تصريحات له مشددة هاجم فيها الدين الإسلامي ووجه له إهانات بالغة واتهمه بالقسوة والدعوة إلى العنف، والتي لم يعتذر منها إلى الآن. بينما علاقات السيسي الدافئة مع اليهود وحاخاماتهم، ودولتهم المحتلة التي أعلنوها على أرض فلسطين، لا تحتاج منا للحديث عن حميميتها والاسهاب في قوة أواصرها.

يكفينا قراءة تلك الأخبار المتناثرة، عن اللقاءات المتواصلة له مع المنظمات اليهودية بالعالم (والتي رآها البعض ربما تفوق عدد مرات اجتماع السيسي مع وزراء حكوماته)، بالإضافة إلى الدعم الغير مشروط الذي تقدمه له حكومة الاحتلال منذ اليوم الأول لانقلابه، وحديث الساسة والإعلاميين هناك عن تنسيق أمني لم يشهده من قبل (الكيان الصهيوني) طوال تاريخه مع العدو الأزلي له (مصر)، بالإضافة إلى صلوات ودعوات بين الحين والآخر، من حاخامات اليهود -لرئيس الانقلاب المصري- بالحفظ والتمكين. في المقابل، تبدو مهمة حصر ممارسات السيسي العدائية تجاه دين الإسلام صعبة للغاية، وربما تحتاج لعشرات التقارير والتحقيقات لرصد يوميات حربه الضروس التي تواصلت على مدار خمس سنوات منذ انقلابه وإلى الآن.

في عهد السيسي، ولأول مرة تشن حرب إعلامية غير مسبوقة، وحملات أمنية شرسة ضد ملصقات تحث الناس على الصلاة على النبي محمد "صلى الله عليه وسلم"، بل وتحصيل غرامات مالية ممن توجد عنده
 
معارك السيسي مع الدين الإسلامي.. "عرض مستمر"

بدأ "السيسي "فعليا في تنفيذ خطوات تأميم الدين منذ الليلة الأولى لانقلابه؛ بإغلاقه كافة القنوات الإسلامية، في الوقت الذي يُسمح فيه فقط لدعاة التصوف والتشيع وتأليه الحاكم بالظهور المكثف في القنوات الأخرى. ثم بإصدار قانون أثناء ولاية المؤقت "عدلي منصور" يقضي بالحكم على مَن يزاول الدعوة الإسلامية دون ترخيص من الحكومة بالسجن المشدد لمدة عام، والغرامة المالية الكبيرة. واستهل عهده الرئاسي بقانون الدعوة والخطابة والذي تسبب في إغلاق أكثر من عشرين ألف مسجد، كما قام أيضا بتحديد مسافة 500 متر بين كل مسجد وآخر. كما قام بتوحيد خطبة الجمعة ومعاقبة من يخرج عن الموضوع المحدد بالتحقيق والعزل من الوظيفة، كما قام بإلغاء صلاة التراويح في العديد من المساجد الكبرى في مصر كما منع الاعتكاف إلا بشروط مشددة.

وفي عهد السيسي، ولأول مرة، أحرقت مساجد مثل "رابعة العدوية" وحوصرت ودنست أخرى وتم إقتحامها من قبل البلطجية مثل مسجد "الفتح"، وأخرى تم إغلاقها لأجل غير مسمى، كما تم هدم العشرات منها، إما بحجة إقامة منطقة عازلة في سيناء، أو إقامة مشاريع استثمارية في عدد من المحافظات. وبينما يُعد الأزهر الشريف منذ عصور طويلة منارة لكل دارسي المنهج الإسلامي من مصر وخارج مصر، لم يجرؤ أحد مهما كان على مر العصور وحتى من قوى الاحتلال المتعاقبة أن يغلق الجامع أو يمنع إقامة الصلاة فيه. فكان الوحيد الذي تجرأ على هذا "عبد الفتاح السيسي" يوم الخامس من رمضان 1434هـ الموافق الرابع عشر من شهر يوليو عام 2013 حين قامت قوات من الجيش المصري والأمن بمنع إقامة صلاة الظهر فيه وإغلاق المسجد بعد أن دعا العديد من شيوخ وطلبة الأزهر الشريف إلى مسيرة تبدأ من جامع الأزهر إلى ميدان رابعة العدوية.

وفي عهد السيسي، ولأول مرة تشن حرب إعلامية غير مسبوقة، وحملات أمنية شرسة ضد ملصقات تحث الناس على الصلاة على النبي محمد "صلى الله عليه وسلم"، بل وتحصيل غرامات مالية ممن توجد عنده، وانبرى إعلاميون وخبراء وقيادات أمنية في التحذير من خطورة تلك الملصقات على الأمن القومي المصري، بالإضافة إلى مناخ إعلامي أفرز لنا العديد من البرامج التليفزيونية، التي تشجع صراحة على الطعن في ثوابت الدين ومهاجمة رموزه والتشكيك في تراثه، فمن أعطى لهم الضوء الأخضر لذلك، بينما الإعلام شبه مؤمم لصالح النظام كل هذا يجعلنا نتساءل: ماذا بينك وبين الإسلام يا سيسي؟!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

"هيا انضموا إلينا، نحن لا نريد غير فتح الحدود، هذا عار"؛ بهذه العبارات يحاول الناشط نصر الدين قوضاض بمدينة أحفير المغربية إقناع المواطنين بالالتحاق بالوقفة للمطالبة بفتح الحدود مع الجزائر.

الأكثر قراءة