لا تؤجل سعادة اليوم إلى الغد

أحببت الكثير والكثير من الأشياء في حياتي -ولا زلت أحب ولا أتوقف- لكن شيئا واحد لم أكفف عن حبه وإدمانه أكثر من أي شيء غيره ألا وهو.. القهوة، أحببتها، عشقتها، رسمت معها أهدافي وأحلامي، وراجعت برفقتها أفكاري ومشاعري وتصرفاتي، كانت الصديق الوحيد الذي ينتظرني دائما دون ملل، وإن نسيتها لا تذهب لكنها تعاقبني بما لا أحب بل أكره.

 

تتسلّل من دفئ غطائها وتطلق لأنفاسها العنان لكي تبرد، وأنا التي لا تستهويني رائحتها إلا إن كانت ساخنة تلدغ، أخذت أفكر أنها مجرد قهوة داخل كوب وتعاقبني بأن تبرد! فأخذت أفكر كيف للبرود في كل شيء أن يظهر، في الحب، في العلاقات في كل شيء له روح وليس بالضرورة صوت يصدح، ننتظر في معظم الأحيان الفعل من الطرف الآخر، كي نقوم بدورنا برد الفعل بناء عليه، ولا نحاول مسك زمام المبادرة إن لزم الأمر.

 

أفعالنا رد فعل نابع عن كل شيء إلا أنفسنا، ولكل كلمة في ميزاننا تفسير وتحليل وسوء ظن وما أكثره لا تسأل، وقد تحتاج لجاهة توضح من خلالها ما قصدت إن لزم الأمر، ويا ليته بالنهاية ينفع، كنا وما زلنا نريد كل شي ولا نعطي الكثير من كل شيء، نريد الحب ولا نعطيه، نريد الاهتمام ولا نرعاه، نريد الفرح والسعادة ولا نقدر اللحظات، نريد المال ولا نسعى، نريد الحياة ولا نقدّر معنى لها، نريد العلاقات ولا نغذيها كي تنمو وتكبر، إذا كان كوب القهوة حين تهمله يبرد، فما بالك بالبشر من حولك.

 

نؤجل علاقاتنا وسعادتنا فيها وكأن الحياة دائمة لن تنفذ، وننشغل عنها بكل شيء بحجة أن هناك وقت لإصلاحها وكل شيء سيعود كما كان بل أحسن، ولا ندري إن كنا سنعيش للغد أم أن الروح لخالقها ستبرأ، البشر يبردون والمشاعر تبرد تماما مثل كوب القهوة، تحتاج لإعادة تسخين لتمنحك لذة الطعم، وكذلك هم البشر، نحتاج جميعا للحب، للاهتمام، للعطاء، لكن النقطة الأهم هي أي طرف هو أنت؟ هل أنت المعطي أم المتلقي؟ لأن هذا السؤال هو الذي سيحدد بوصلتك الداخلية نحو كل ما هو أجمل، فكثير منا رضي بالحل الأسهل وهو الأخذ، فخسر شعور لا يمكن أن يستشعره طالما أنه لم يذق طعم العطاء.

 

بادر بالحب بنظرة، بقبلة، بدعاء، بصدقة، بلطف، بكلمة، بفنجان قهوة ساخن تقدمه لمن تحب، أسعد نفسك بأبسط الأمور وانظر حولك ستجد منها الكثير وستكتشف أنك كنت أعمى لا تراها

لماذا نكون نحن الحلقة الأضعف وننتظر العطاء من الغير كي نسعد، لماذا لا نكون نحن من يمسك بزمام المبادرة والعطاء والحب والسعادة ولكل ما هو أجمل، امنح تُمنح وليس بالضرورة أن يمنحك نفس الشخص الذي منحته -بل أحيانا كثيرة قد يجحد- لكن الأكيد هو أن ما أعطيته سيعود لك أضعاف مضاعفة فسرّ السعادة هي في أن تعطي أكثر مما تأخذ، وكلما احتجت للسعادة أسعد شخصا من حولك وستجد عندها السعادة تجتاح قلبك فتسعده رغما عنه وتسعد.

 

في عصر السرعة غدا كل شيء سريع، الطعام، الجمال، الأخبار، حتى المشاعر نُقلت لها عدوى السرعة فأصبحنا لا نعطي لها أهمية ووقت كي تنمو بهدوء وتزهر، بل أصبح الحب سريع والكره سريع، الزواج سريع والطلاق أسرع منه، بناء العلاقات سريع ما يجعل هدمها أسرع، الغنَى سريع والإفلاس ليس أقل منه سرعة، الحياة متعة وإن اختلف الناس في رأيهم فمنهم من يؤيد ومنهم من يعارض، لكن ما هو أكيد أن الحياة لن تكون متعة إلا إن قررت أن تجعلها كذلك، فلكم من أناس ابتلو بأشد الابتلاءات ثم تجدهم راضين بقضاء الله وقدره، مقبلين على الحياة بحب وانشراح، مسلّمين أمرهم لله ومحافظين على روحهم الطيبة ونفسياتهم المنعشة التي تجعلك تخجل من نفسك عندما تراهم، الرضا هذا المكوّن الرئيسي للسعادة يجعل من قلبك نقطة أهدأ من أي بقعة على وجه الكرة الأرضية لا بل في المجرة بأكملها.

   

عندما قال الله في كتابه العزيز: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" لم يقصد بالعبادة فقط الصلاة والزكاة وغيرها من أركان الإسلام، بل هي في كل شيء، في إعمار الأرض وفي حياتنا بكافة أشكالها، فالزواج عبادة، وتربية الأولاد عبادة، وبر الوالدين عبادة، وإطعام الزوجة عبادة، وتبسمك في وجه الآخر عبادة، وإماطة الأذى عبادة، وأن تمشي مع أخاك المسلم في حاجة له عبادة، وتفريج الكرب عبادة، وتزيّن المرأة لزوجها عبادة وغيرها الكثير من العبادات التي تنمي جانب التعاطف مع الغير والمبادرة في إسعاده وإدخال السرور إلى قلبه.

 

يقول الله عزوجل : "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ " فلو شكرت الله على نعمه ومنها نعمة راحة البال ومحبة الغير والسكينة فستزيد وتتضاعف لك أكثر وأكثر، وما علينا كبشر إلا السعي والبدء والنهوض نحو كل ما هو جميل كي يأتينا ما هو أجمل، على هيئة بشر طيبين أو مواقف ميسرة أو رد أذى محتم أو راحة بال وطمأنينة وغيرها من أشكال السعادة الكثير.

 

لا تبخل على نفسك بالحب والاهتمام والدلال، ولا تبخل على غيرك بها، فالرابح الأكبر من هذا كله هو أنت، أخرج أفضل ما لديك ولا تسعى للمثالية للحصول على السعادة، فأنت الأفضل إن استطعت أن تفعل كل ما بوسعك فعله لا أكثر، وهذا ما قاله رب العباد في كتابه العزيز: "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ" دليل على اختلاف البشر وطاقاتهم، وكما قال غاندي: "كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم"، وكفاك شكوى وأقبل عالحياة وابتسم..ابتسم رغم كل الظروف، ابتسم وإن كان قلبك حزين علّ عدوى الابتسامة تصله فيسعد، ولعل هذه الابتسامة تجعل غيرك سعيدا ما سيصل لقلبك لا محالة.

 

بادر بالحب بنظرة، بقبلة، بدعاء، بصدقة، بلطف، بكلمة، بفنجان قهوة ساخن تقدمه لمن تحب، أسعد نفسك بأبسط الأمور وانظر حولك ستجد منها الكثير وستكتشف أنك كنت أعمى لا تراها، التفاؤل هو نمط حياة أنت من يصنعه، وسعادتك لا أحد مسؤول عنها إلا أنت، فلا تؤجل سعادة اليوم إلى الغد، وفي كل مرة تقبل على الحياة فاتحا يديك ظانّا بالله ظن الخير تأتيك لتكافئك باحتضان لم تتوقعه منها في كل مرة أيضا، وكما قال الدكتور إبراهيم الفقي رحمه الله: بما أنك عايش عايش عيشها صح، وبتصلي -في جميع الأحوال- صلي صح، وبتاكل كُل صح.

 

نعم الحياة قد تكون بهذه البساطة لكن نحن من يعقدها في كثير من الأحيان، دعونا لا نؤجل سعادة اليوم إلى الغد فقد لا يأتي الغد فنكون عندها قد خسرنا اللحظة ومن شاركنا إياها.. وللأبد!



حول هذه القصة

اليوم تتغير المفاهيم والمصطلحات وأعلن أن عبوديتي لله وحده وأنّ هدفي من الحياة ليس السعادة الوهمية بقدر ما هي راحة البال تسكنها متعة بطعم المال والخلود والنجاح والإيمان.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة