إيمانويل ماكرون.. فيلسوف قبل أن يكون رئيسا!

المتتبع للانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، سيتذكر استشهادات إيمانويل ماكرون في خطاباته الانتخابية بأقوال الفلاسفة ككانط وأرسطو وديكارت، يبدو من الوهلة الأولى أن ذلك لا يعدو كونه مجرد خطابات كُتبت قبليا من طرف مختصين في خطب الزعماء لحشد الجمهور، لكن خلافا لأغلب السياسيين فإيمانويل ماكرون الرئيس الشاب كان يتحدث بأسلوب العارف والمثقف وباستعمال حقل معرفي يبدو جليا أنه يعرف أطرافه.

تربع على كرسي الرئاسة في فرنسا عدة رؤساء مثقفين، من جورج بومبيدو (1969) الذي كان شاعرا، وفرانسوا ميتران (1981) الذي جرب الكتابة الأدبية، إلى إيمانويل ماكرون الذي يعتبره العديد من المحللين فيلسوفا قبل أن يكون سياسيا، فقد درس الرئيس الشاب الفلسفة في جامعة نانتير nanterre university  وحاز على شهادة الدراسات المعمقة حول بحث عن الفيلسوف هيغل، كما تتلمذ على يد الماركسي إثيان باليبار، فاستطاع بذلك خلق أرضية فلسفية عميقة جعلته يقتحم عالم السياسة عبر تأسيسه حزب "الجمهورية إلى الأمام"، غير أن أهم من أثر في فكر إيمانويل ماكرون وأطره هو الفيلسوف الفرنسي بول ريغور والذي عمل ماكرون كمساعد له في تحرير كتاب "الذاكرة والتاريخ والنسيان".

ماكرون وعرابه بول ريغور:

عاش الرئيس الفرنسي ماكرون لأزيد من سنتين كمساعد لبول ريغور في تأليف كتاب "الذاكرة والتاريخ والنسيان"، وطوال مدة الاشتغال معا تشبع ماكرون بفلسفة ريغور حول البرغماتية وتصوره للتاريخ والثقافة، وهذا ما يظهر في سياسات ماكرون حول مفهوم الهوية الوطنية والتي تغضب اليمين المتطرف، فماكرون كما ريغور يلحان على أن الهوية تترسب مع الذاكرة وذلك ما صرح به ماكرون قائلا: "لا وجود لثقافة فرنسية، بل ثقافة في فرنسا، وهي متعددة وغنية". يقول ريغور في كتابه السالف الذكر: "واجب الذاكرة أن ينصِف المرء عن طريق التذكر شخصا غيره"، هذه الفكرة تظهر في خطابات ماكرون خاصة حين وصف احتلال الجزائر بكونه جريمة ضد الإنسانية.

 

في الوقت نفسه:
تُظهر العديد من التحليلات أن أسلوب ماكرون في قيادة فرنسا أسلوب "ريغورياني"، غير أن الأستاذ الفرنسي ميكائيل فوسيل يعتبر أي محاولة لتبرير سياسة ما عن طريق الفلسفة فعل "سخيف"

يتعمد ماكرون في خطاباته تكرار عبارة "وفي الوقت نفسه" عند عمله على القيام بشيئين متناقضين كتحرر سوق العمل وحماية العاملين في وظائف غير مستقرة، هذه البرغماتية تدخل في فلسفة ريغور التي تجمع بين الإرادة في الانتقال لعالم المثل وبين مسؤولية تطبيق تلك الإرادة في سيرورة التاريخ، من هذا المنطلق يمكن فهم أيديولوجية ماكرون المتخبطة بين اليسار واليمين. حدد بول ريغور في كتابه -الذي اشتغل مع ماكرون عليه- ثلاث مستويات للإيديولوجيا، فهناك مستوى سطحي يتكون من إيديولوجيات بفوارق شاسعة (اليمين واليسار) وبالانتقال للمستوى الأعمق للأيديولوجيا سنجد وظائف جديدة لها تتمثل في دمج الجماعة وعدم خلق تشويهات بينها، وهذا المستوى هو ما وصل إليه ماكرون عندما اختار وزراء من مختلف الأيديولوجيات السياسية، لقد حاول ماكرون بهذا الفعل أن يوحد فرنسا على أسلوب بول ريغور.

هل بول ريغور يحكم فرنسا رغم موته؟

تُظهر العديد من التحليلات أن أسلوب ماكرون في قيادة فرنسا أسلوب "ريغورياني"، غير أن الأستاذ الفرنسي ميكائيل فوسيل يعتبر أي محاولة لتبرير سياسة ما عن طريق الفلسفة  فعل "سخيف"، فالفلسفة غير مؤهلة لتكون مصدر إلهام سياسي، لاسيما حين يكون الفيلسوف المعني بالأمر غائبا، وجود تأثير لريغور على ماكرون  لا ينفي اعتبار سياسته مستوحاة من ريغور، عند مقارنة التزامات ريغور التي ليست بالضرورة امتداد مباشرا لفلسفته، بالتزامات ماكرون، نجد فجوة بين ريغور الذي اعتبر نفسه اشتراكيا وماكرون الذي أنكر أنه اشتراكي.

التدخل المقبل لماكرون لاحتواء الاحتجاجات سيظهر إن كانت فرنسا محكومة بفلسفة ريغور أم أن النزعة الميكيافيلية لماكرون ستظهر
 

لكن رغم هذا الاختلاف إلا أنه لا يمكن التغاضي عن الأفكار الريغورية التي تظهر في قرارات ماكرون، ففي حوار لماكرون سنة 2011، تساءل ماكرون عن كيفية خلق شكل من الخطاب السياسي يعيد الثقة للمنطوق والعمل السياسيين، أما ريغور فقد كان يلح على هشاشة اللغة السياسية وضرورة اعادة بناء خطاب سياسي جديد كما أشار لوجود "مرض سياسي" يجعل السلطة تحتكر القوة وتنزع دائما لاستعمالها.

وعن المفكر التونسي بوبكر العيادي فيرى أن الأثر العميق الذي تركه ريغور في الرئيس الفرنسي كان حول مفهوم الليبرالية، فريغور يقول أنه إن أمكن إنقاد مصطلح الليبرالية السياسية من سوء السمعة الذي أغرقها فيه قربها من الليبرالية الاقتصادية، فسوف يقول ما ينبغي أن يقال، من أن مشكل السياسة الأساس هو الحرية، إما أن ترسي الدولة الحرية عن طريق عقلانيتها، أو أن الحرية تحد من شغف السلطة عن طريق مقاومتها، هذا التصور الذي صاغه ريغور عن مفهوم الحرية هو الموجه الذي يقود السياسات العامة لماكرون وخطاباته، ومع تصاعد الاحتجاجات حاليا في فرنسا يجد ماكرون نفسه أمام مأزق إرضاء الحشود الغاضبة، أما تصريح وزير الداخلية الفرنسي في حكومته  كريستوفر كاستنير والذي وصف فيه المتظاهرين بأنهم  متأثرون بمارين لوبون زعيمة حزب "المسيرة الوطنية" اليميني المتطرف يعقد الأمور خصوصا وماكرون يعتبر نفسه شخصا وسطيا يريد تجاوز انقسام اليمين واليسار.

التدخل المقبل لماكرون لاحتواء الاحتجاجات سيظهر إن كانت فرنسا محكومة بفلسفة ريغور أم أن النزعة الميكيافيلية لماكرون ستظهر، وهو الذي قد قال المؤرخ الفرنسي باتريك بوشرون في حقه "ليس مستبعدا أن قراءة مكيافيلي ساعدت ماكرون في فهم ذاته، مكيافيلي وصل لسدة الحكم عن طريق السطو.. ماكرون هو مكيافيلي بالمقلوب، أو على الأقل، إنه سار في الطريق المعاكس: لقد ترك الفلسفة وذهب للسياسة".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة