أشلاء ثائر.. اختلافهم ليس رحمة!

من أهم الأسباب التي تعاني منها ثورات الربيع العربي بشكل عام وأدت إلى تأخر وصولها لأهدافها وتسببت في الانحسار المؤقت لقوى الثورة الشعبية والانتصار الظاهري والآني لمعسكر الثورة المضادة، هو البحث وبشكل دائم لدى القوى والفصائل الثورية عن نقاط الخلاف عوضًا عن النظر إلى مكامن الاتفاق ونبل وعدالة الهدف المأمول وهو التخلص من الأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية وإقامة أنظمة ديمقراطية تعمل على رفاهية شعوبها خادمًة لها لا جاثمة على صدورها بقوة السلاح، بدلًا من هذا انشغل الكثيرين في عرقلة المخالفين في الرأي من شركاء الثورة عوضًا عن التقدم للأمام سويًا وطي صفحة الماضي مع الاستفادة من ما جرى فيه وهذا أدى إلى حالة مستعصية يعاني منها الجسد الثوري يمكننا أن نطلق عليها وصف "حمى المعارك الجانبية"، تلك الحمى التي تضرب وباستمرار معظم الكيانات السياسية والثورية دون التفرقة بين نخب وقواعد، مرسل ومتلقي، فاعل ومفعول به، أفراد وجماعات في ما يمكن أن نطلق عليه "حالة عامة".

في الحالة المصرية مع كل ذكرى لأي محطة فارقة في قطار ثورة 25 يناير منذ إسقاط المخلوع مبارك في 11 فبراير 2011 وصولًا للانقلاب العسكري في 3يوليو 2013 وجريمته الأكبر -مذبحة رابعة والنهضة- في 14 أغسطس 2013، ينبري كل فصيل سياسي -إلا من رحم ربي- من القوى الثورية المعارضة للحكم العسكري بشتى أطيافها في كيل الاتهامات للأطراف الأخرى في محاولة للتملص من المسؤولية عن الأخطاء التي أدت لتشتت القوى الثورية والانشقاق بينها، وهي أحد أهم الركائز التي مكنت العسكر من العودة للسيطرة على المشهد المصري برمته وبوتيرة أعنف وقبضة أمنية أثقل وسلطة عسكرية قمعية أشد ضراوةً وأكثر بطشًا عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير، ليتحول ربيع الثورة الشعبية إلى خريف الثورة المضادة تساقطت فيه أوراق ومكتسبات الثورة الواحدة تلو الأخرى.

 

ربما يكون الدافع الرئيسي وراء استمرار تلك الاتهامات والهجمات الموسمية المتبادلة هو تطبيق معظم الأطراف لقاعدة "الهجوم خير وسيلة للدفاع" ليتخلص كل فصيل سياسي -معارض للانقلاب- من المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن ما آلت إليه الأوضاع في مصر في عهد الجنرال السيسي عقب انقلابه الدموي عبر إبراز وتضخيم أخطاء الغير والتغاضي عن أخطاءه لكن بطريقة معكوسة وبصورة مرضية أدت لإحراق معظم مراكب الثقة لدى الشعب المصري في غالبية القوى الثورية المعارضة رغم اتفاقه معها في وجوب وحتمية الخلاص من الحكم العسكري بعد أن تكشفت كل الخيوط واتضحت جليًا معالم المؤامرة على الدولة المصرية وشعبها الذي بات يعاني الأمرين في حياته اليومية وبصفة مستمرة في ظل منظومة ديكتاتورية عسكرية من النوع "القح" حيث تمت عسكرة كل شيء بدءًا من المجال السياسي ومنظومة العدالة والشبكة الاقتصادية مرورًا بالصحة والتعليم وكافة القطاعات الخدمية وصولًا إلى الإعلام والمؤسسات الدينية وهلم جرا.

ما تتغافل عنه القوى الثورية بكافة توجهاتها وهو عامل أكثر من كافي لتوحيد صفوفها أن السيسي لا يفرق في خصومته مع المعارضين لنظامه الانقلابي رغم تباين الوسائل واختلافها في البطش بهم

أجاد العسكر ومنذ عقود اللعب على وتر التناقضات والاختلافات بين القوى السياسية الفاعلة على الساحة المصرية لتستمر منظومتهم هي القابضة على خناق الدولة والمتحكمة في مجريات الأمور ولتكون لها اليد العليا، قد تختلف الأساليب وتتبدل التحالفات حسب ما تقتضيه الأوضاع وتفرضه المعطيات لكن ينجحون في كل مرة -حتى الآن- في الوصول لهدفهم هذا ولم يكسر تلك القاعدة إلا وحدة القوى السياسية وطوائف الشعب المختلفة في أعظم ملحمة ثورية شعبية شهدتها مصر في تاريخها الحديث إبان ثورة 25 يناير التي توجت بسقوط مبارك ثم بدأت بذور الشقاق بين رفقاء الميدان بعدها بفترة قصيرة.

 

ويبدو أن القوى السياسية المصرية على اختلاف أيديولوجياتها ومدارسها قد تعودت على منهجية الخلاف ولم تحاول أبدًا تعلم ثقافة الاختلاف والفارق شاسع، ففي منهجية الخلاف ذهاب الريح وضياع الهدف وقلة البأس وانعدام المردود وارتفاع الكلفة والخسائر، وفي ثقافة الاختلاف تكون النجاة والنجاح عبر تقبل المخالفين في الرأي والمشاركة ووحدة الهدف للوصول لدولة ديمقراطية يكون شعبها صاحب القرار الحقيقي فيها، مع عدم إغفال تنوع الأساليب والوسائل للوصول إليه تبعًا للأيديولوجية والخط الفكري لكل فصيل ويصبح تناسي الخلافات الجانبية فرض عين في ظل الانقلاب على ثورة الشعب ومطالبه وليس الانخراط في معارك جانبية ينتج عنها نسف الهدف أو تعقيد مساره خوفًا من وصول الآخر إليه أولًا فارضًا رؤيته غاضين الطرف عن كوننا شركاء في وطن نراه أمام أعيننا يهدم ولسنا في سباق للإقصاء وتكسير العظام يخسر فيه فقط من يهزم.

العجيب في الأمر وما تتغافل عنه القوى الثورية بكافة توجهاتها وهو عامل أكثر من كافي لتوحيد صفوفها أن السيسي لا يفرق في خصومته مع المعارضين لنظامه الانقلابي رغم تباين الوسائل واختلافها في البطش بهم وتدرجها في العنف والقسوة التي تزداد من حيث الكم والكيف كلما اقترب المعارض له من ما اصطلح على تسميته بمعسكر الشرعية (مناصري الرئيس محمد مرسي)، فهم وإن اختلفت تياراتهم السياسية ومدارسهم الفكرية وتدرجت مواقفهم من مناوئة النظام برمته منذ البداية متمسكًا بخيارات الشعب عبر صناديق الاقتراع مرورًا بمن هم ضد الانقلاب ونظام الرئيس محمد مرسي معًا ممن يطلق عليهم أنصار (لا عسكر ولا إخوان) وصولًا لمن اعترف بمخرجات ثورة 30 يونيو -المزعومة- وانقلاب 3 يوليو 2013.

 

بل وكان من المشاركين في كلاهما ولكن اتضحت له النية الحقيقية لنظام السيسي فجهر بمعارضته وانضم لقائمة المطالبين برحيله، رغم التباين في المواقف نجد أن النظام يبذل قصارى جهده عبر كافة مؤسساته لربطهم بأي شكل من الأشكال بتيار الإسلام السياسي وفي القلب منه جماعة الإخوان المسلمين لكي تسهل عليه مهمة التخلص منهم بطرق عدة كما ذكرنا سابقًا، أي أن النظام الانقلابي وحد تقريبًا توصيف المعارضين له الغارقين في خلافاتهم، لنجد الكثيرين منهم يبذل في سبيل أن ينفي عن نفسه صفة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين -الفصيل السياسي الأكبر- أو التقارب مع تيار الإسلام السياسي في وجهات النظر والهدف أضعاف ما يبذله من جهد لمعارضة السيسي ونظامه.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة