واشنطن أم موسكو أم بكين؟.. علاقة تسيير لا تخيير!

في المقال السابق (الخضوع لأمريكا ليس عيبا ولا عارا) ذكرت بعضا من حجج القائلين بأن الخضوع لأمريكا ليس نقيصة ولا سبة؛ نظرا لما تملكه من أدوات سيطرة وتحكّم، والعرب ليسوا من لهم قصب السبق في الخضوع والتبعية لأمريكا، فهناك دول كبيرة ومهمة تتبع واشنطن، ويضيف هؤلاء: –

 

– الوسيلة التي نتخاطب بها الآن هي أمريكية بامتياز من حيث المنشأ والتطوير وبراءة الاختراع؛ أليست الإنترنت نتاج (البنتاغون) أولا، قبل أن تتوسع حتى وصلت إلى كل أرجاء الدنيا؟ وأضف إلى ذلك منتجات وابتكارات مرتبطة بهذه الشبكة العنكبوتية من شركات أمريكية مثل أبل أو جوجل أو غيرها.

 

– إضافة إلى التقنيات فإن الثقافة الأمريكية تحظى بإعجاب وتقدير من يشتمها، حتى أولئك الماركسيون المتعصبون لم يتورعوا عن اقتناء ما هو ثقافة أمريكية بامتياز، وجاهر بعضهم أحيانا بمتابعة برامج كارتون أمريكية؛ أما (هوليوود) وهي منطقة في لوس أنجلوس/كاليفورنيا فهناك ملايين الناس قد سمعوا بالاسم من بوابة الإنتاج السينمائي الأمريكي، التي هي معقله منذ أكثر من قرن من الزمان، ولمّا تتمكن أي صناعة سينما أخرى من مضاهاة ما تنتجه هوليوود إلا في نطاق ضيق وموسمي.

 

كما أن الأفلام الأمريكية ما تزال مرغوبة، منذ أيام أفلام الغرب الأمريكي (الكاوبوي) وحتى أفلام الخيال والرعب والجريمة، و(برامج الواقع) التي تزخر بها فضائيات العالم، بدأت فكرتها في استديوهات الولايات المتحدة، واستنسخها الآخرون، والسجائر الأمريكية هي المفضلة، وما يحول بين معظم المدخنين وبينها، هو سعرها في بلادهم؛ فأمريكا منبع ما يشتهيه الناس في حياتهم العصرية، ويحبون أن يتمتعوا به.. وبصراحة كم من شاتم لأمريكا يتمنى أن يحمل جواز السفر الأمريكي، الذي يعطي لحامله قيمة/حصانة مميزة، ولو كان لا يحمل مؤهلات علمية أو شخصية مميزة؟

 

مدينة شانغهاي بفعل كثرة من يتقن الإنجليزية فيها، صارت مدينة دولية مزدهرة؛ فاللغة الصينية ليست هي اللغة التي تناسب التحدث مع السائحين ولا مع التجار ولا غيرهم

– ما المشروع الذي تحمله الأقطاب المنافسة لأمريكا؟ وهل هي خير للعرب من الأمريكان؟ فإذا كان الأمريكان يقتلون في عشر سنين عددا من العرب، فالروس قتلوا في نصف المدة أكثر منهم وما زالوا، ثم إذا كنا نشتم أمريكا لأنها تدعم الاستبداد، فهل الروس يدعمون الديموقراطية وحرية الشعوب وتوزيع الثروات؟ أم هل هم قديما أو حديثا ضد إسرائيل؟ ثم ما المنتج الثقافي-الحضاري الروسي حاليا؟ روسيا متقدمة عسكريا، صحيح، ولكن ماذا حتى في المنزل الروسي (لا العربي وغيره) من إنتاج أو اختراع روسي؟ أين هي الموبايلات الروسية، وأين شاشات روسيا، وأين هي السيارات الروسية، وأين هي أجهزة الكمبيوتر الروسية، وأين هي أجهزة التكييف الروسية، وأين وأين وأين؟

 

كل هذه الأشياء هي إنتاج دول تستظل بالبيت الأبيض، مثل كوريا الجنوبية واليابان، ناهيك عن هيمنة المنتج الأمريكي، ويكفيك برمجيات مايكروسوفت مثالا.. وحتى الصين التي تنتج وتصنع فإن كثيرا من صناعاتها إعادة إنتاج لاختراعات أمريكية أو ألمانية أو فرنسية، ولا يوجد ابتكارات صينية، بل تنتج الصين بضائع أقل جودة من المنتج الغربي، ولكن بهيئته وجزء من صفاته، فصار التهكم على أي بضاعة رديئة يحمل كلمة (صيني) وأيضا كم من الصينيين تعلموا ويتعلمون اللغة الإنجليزية، لأنها مفتاح التعامل الجالب للمال وتطوير الاقتصاد عندهم؟

 

العدد في تزايد مستمر حسب مصادر مختلفة، بل إن مدينة شانغهاي بفعل كثرة من يتقن الإنجليزية فيها، صارت مدينة دولية مزدهرة؛ فاللغة الصينية ليست هي اللغة التي تناسب التحدث مع السائحين ولا مع التجار ولا غيرهم، فحتى الصين التي لها حضارة وثقافة عريقة ضاربة في جذر التاريخ، تستدعي أحد أهم أدوات الثقافة وأهم أوعيتها، أي اللغة، ولكن لغة الآنجلو-ساكسون، لا اللغة الصينية، وكأنها تقر ضمنا بأن هذه هي اللغة المعروفة عالميا حاليا في حقول العلوم والاقتصاد، وأيضا هل سنستبدل لحوم الكلاب المشوية، ولحوم الفئران المقلية، والصراصير المقرمشة بشطائر الهمبورجر التي تنتجها ماكدونالدز ودجاج كنتاكي؟

 

كما أن الصين لا تحتاج إلى أيدي عاملة مثل بلاد الغرب، بل على العكس، ولا تستوعب مهاجرين، بل تتمدد خارج حدودها بطرق مختلفة، كما أن الصين تضطهد مسلمي الإيغور وعموم المسلمين في داخل أراضيها، وتحرمهم من ممارسة شعائرهم الدينية، ولكن أمريكا لم تفعل هذا حتى مع معتقلي غوانتانامو، وفيها مساجد وجمعيات إسلامية.

 

– لماذا نترك الساحة الأمريكية، وقد كان اليهود أذكى حينما توغلوا فيها، وتم تثبيت كيانهم في فلسطين، ووصلوا الآن لدرجة أن ترمب اعترف بالقدس عاصمة لهذا الكيان؟ فلم لا ننافس اليهود ومنظماتهم وجمعياتهم في داخل أمريكا لنربح منها مثلما ربحوا سياسيا وماليا وإعلاميا؟

 

لا يمكن أن نشبه خضوع دول غربية وآسيوية بحالتنا العربية في طبيعة العلاقة مع الأمريكان؛ نظرا لوجود أبعاد عقدية وحضارية خاصة بنا تجعل الصورة مختلفة كليا
 

وفي الرد على هذه الحجج ثمة كثير مما يقال أوجزه فيما يلي ابتداء من آخرها:-

1) المجتمع الأمريكي ليس مفتوح الأبواب كي يؤثر فيه العرب والمسلمون، والأمر له سياق حضاري ولا ينحصر في تنافس سياسي، وهذه فكرة قديمة وقد حاول من حاول ورأينا النتيجة المتمثلة بفشل ذريع.

 

2) من قال بأننا يجب أن نكون كالكرة تتقاذفها أقدام الدول العظمى والكبرى؟ كمثل العبد الذي جاءته ثروة فقال سأشتري لي سيدا طيبا! فالانعتاق من الهيمنة الأجنبية هدف بحد ذاته سواء أكانت أمريكية أم روسية أم صينية، ويجب أن يكون لنا مشروعنا الحرّ الخاضع لمبادئ عقديتنا وحضارتنا وتاريخنا، لا أن نفكر بــ(سيدنا) الجديد وأحواله!

 

3) لا يمكن أن نشبه خضوع دول غربية وآسيوية بحالتنا العربية في طبيعة العلاقة مع الأمريكان؛ نظرا لوجود أبعاد عقدية وحضارية خاصة بنا تجعل الصورة مختلفة كليا، ونظرا لأن الأمريكان لم يحولوا بلادنا التي هيمنوا عليها تماما، إلى اليابان أو ألمانيا أو كوريا الجنوبية، مع أن هذا كان ممكنا، ولكنهم لم يفعلوا ذلك بل دعموا إسرائيل ورعوا أنظمة الاستبداد والفساد وضمنوا تدفق النفط، فعشنا في حالة من الهزيمة والتخلف العلمي، مع أن كل خامات النهضة لدينا، ولكنهم كتموا أنفاس نهوضنا.

 

4) والأهم من كل هذا أن الإتيان بالحجج عن الهيمنة الأمريكية في ما سبق من حديث، يوحي ضمنا بأن الوحدات والكيانات السياسية عندنا مخيّرة لا مسيّرة، وبمُكنتها المفاضلة بين واشنطن وموسكو وبكين والواق واق، وأنها تعيش دور الحليف أو الشريك، أو حتى المهزوم الخاضع لشروط المنتصر؛ علما بأن كل المعطيات تظهر يوما بعد يوم أن هذه الكيانات ليست سوى فروع إدارات -إذا نالت هذه الصفة- في الدوائر والمؤسسات الأمريكية الفاعلة، أو ما نقوله بالتعبير الشعبي هم (نواطير) ليس إلا.

 

فالحالة ليست عقد شراكة بقدر ما هي عقد توظيف مجحف يكاد يواطئ السخرة، فهذا هو الحال البائس الذي يغرق مفكرون ومثقفون في طلائه بممصطلحات وفذلكات كلامية وتحليلات تشرّق وتغرب، مع أن الأمر أبسط من كل هذه المعالجات، فالعلاقة صارت حقيقتها مكشوفة؛ وكل ما يظهر على السطح يعكس تجاذبات الأجهزة والمؤسسات الأمريكية، لا حراكا حرّا أو حالة عربية حقيقية، وأستثني الثورات التي قمعت وتم احتواؤها.

 

البينة على من ادعى؛ وهذا كلام قد يبدو حاملا لـ(ديماغوجية) يحبها عامة الناس، وتبتعد عن الحقيقة، حسنا، من لديه ما يدحض فليأتنا به، فإذا كانت شهادات واضحة من رجالات النظم ومن مسؤولين أمريكيين لا تقنع الرافضين لهذا الطرح، فأنا أختم بقول المتنبي: –

 

وليس يصح في الأفهام شيء ** إذا احتاج النهار إلى دليل



حول هذه القصة

كشفت مصادر أميركية أن مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر ضغط على مسؤولي وزارتي الدفاع والخارجية لتضخيم المبلغ المتعلق بصفقات السلاح مع السعودية إلى 110 مليارات دولار.

27/11/2018

اتهم المحقق روبرت مولر المديرَ السابق لحملة ترامب الانتخابية بول مانافورت بالكذب على مكتب التحقيقات الفدرالي، كما بدأ المساعد السابق بالحملة الانتخابية جورج بابادوبولوس حكما بالسجن مدة أسبوعين بتهمة مشابهة.

27/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة