معضلة الاقتصاد.. هكذا تفشل أغلب المشاريع الناشئة!

لعلك لا تكاد تسأل شاباً في أي من حواري الدول العربية إلا ويجيبك بسرعة وانسيابية بأنه راغب بأن يصبح مليونيراً، أو أن يعيش في فيلا على البحر، وعنده سيارته البورش، ولديه إنترنت فائق السرعة ليعيش بذلك منعزلاً عن واقعه ومجتمعه ومحيطه بل وحتى عن أسرته ووالديه، وهذا الانطباع الذي بدأ يغزو الشباب العربي حول الهجرة؛ والثراء الواسع؛ والعيش في القصور الفارهة؛ ليس لديه على أرض الواقع ما يدعمه من مؤشرات وبواعث تعين هذا الشاب على بلوغ هدفه أو حتى بعضاً مما يحلم به في عالم الخيال.

 

نحن، أيها السادة الشباب، نعيش في بيئة الاستبداد العربي بكل سطوتها، بيئة صمّمت قوانينها وأنظمتها وتشريعاتها بل وصممت العلاقات الخارجية فيها على مستوى الدول والسفارات والوزارات لتكون في خدمة بعض الأشخاص في هذه المجتمعات، ليتحكموا بالمجتمعات من خلال لقمة العيش، ومؤسسات الاقتصاد التي تتوزع بين الوكالات التجارية واحتكار البترول والسلع الأساسية ونحوها، ليتركوا للشعب فتات الموائد وصغائر الأعمال، فكيف سنصل لتحقيق هذه الأحلام الوردية؟

 

لقد خضت خلال السنوات العشر الماضية عدداً من التجارب في التدريب والتنمية والتكوين في أكثر من بلد ومؤسسة، وقد تفاعلت عن قرب مع الشباب العربي في البيئات المختلفة من عالمنا العربي والإسلامي، ووجدت أن هناك رأساً بلا جسد، وحلماً بلا مقدمات، وهدفاً وهمياً غير قابل لمفاهيم القياس والتقييم والتقويم، فشبابنا بحاجة ماسّة للتكوين الاقتصادي على مستوى المعرفة والقواعد الفلسفية قبل الخوض في غماره، والتجارة فن وحرفة؛ وليست مهنة سهلة موثوقة، وطبائع الناس من الاختلاف والاختلاس والنفاق والنصب والإخلال بالوعد وشروط التعاقد لا يمكن محوها وتغييرها بعصى سحرية، فلا بد من أساس لهذا البناء، ولا بد من أقدام وجسد يدعم هذا الرأس، ومقدمات تقود لهذا الحلم الكبير.

  

الوصول إلى تحقيق الأحلام الاقتصادية لا يتحقق بالهجرة ولا بالهروب من الواقع، بل في مواجهة الواقع والتعاطي مع ما هو متاح فيه للوصول إلى المراد والمبتغى

لقد لاحظت خلال أسفاري والمؤتمرات التي أشارك بها والمؤسسات التي أتعامل معها في مجالات التكوين والتدريب من المشرق إلى المغرب أن الشباب العربي مخدوع، مخدوع بصورة غير مسبوقة ولا محدودة، ويتمثل هذا الخداع بأن زرعت في عقله وقلبه بعض المفاهيم التي تتصل بالوطنية والقومية تمنعه من التفكير بحاله وواقعه، وتجعل من التفكير الحر جريمة وإثماً يلاحق من يحاول فيه، وهذا أدى إلى قبول الشباب في الجامعات والمعاهد والشباب المنتشر في ميادين الحياة إلى القبول بالواقع، والتعاطي مع ما هو ممكن، وبالتالي فقد حقوقه بالعلم ونيل المعرفة، وحقوقه بالتجوال والسفر والاطلاع على تجارب الآخرين.

 

وقد رغبت في هذه الفرصة السانحة وعبر هذا المنبر الشبابي المميز أن أوجه رسالة مباشرة لكم أيها الشباب حيث كنتم، فالأحلام الوردية قابلة للتحقيق في حال سلكتم مسالكها، وعليكم أن تبنوا ذواتكم بالعلم والمعرفة بداية، وبالاحتكاك في بيئات العمل المتاحة في بيئاتكم كبداية، والاطلاع على التجارب الدولية التي باتت بفضل التكنولوجيا متاحة بين أيديكم عبر كل وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت؛ التي يفيدكم بالتجارب والنماذج وحالات النجاح والفشل، وهذه مقدمات ضرورية في التفاعل النظري المعرفي المؤسس للعمل الاقتصادي العملي الناجح.

 

يتلو هذه الخطوة بالضرورة البدء بالتأطير الاقتصادي في المشروعات والبرامج الاقتصادية، سواء كانت فردية أو أسرية أو مجتمعية، والدخول في مجالات العمل الجماعي في اتحادات ومجاميع رجال ورواد الأعمال، للدخول في مسار التجربة العملية بصورة مبدئية؛ من خلال البدء بالمشروع الأول، والذي يتطلب تفكيراً وتخطيطاً وحساباً للمصروفات والسفر والتكاليف الأخرى اللازمة ليكون انطلاقته في عالم الربح والتجارة والاستثمار.

 

إشارتي هنا بشكل موجز، هي أن الشباب مطالب بالبدء بمشروعات اقتصادية ولو كانت بسيطة للوصول إلى رأس مال بسيط يكون نواة العمل المستقبلي في المشروعات الأخرى، وحتى لو كانت مجتمعاتهم تظلمهم بسبب الاستبداد والظلم الاجتماعي وعدم توزيع الفرص بشكل عادل فيها، فهم مطالبون بأن يفكروا خارج الصندوق، وأن يتحملوا مسؤولية أحلامهم وأفكارهم ليؤسسوا قدراتهم الاقتصادية الذاتية، وخطوة بعد خطوة يصل الفرد إلى تحقيق بعض أحلامه وصولاً للنجاح الاقتصادي، مع التنويه إلى أن الطريق ليس مفروشاً بالورود، بل هو محاط بالمخاطر ويحتاج الوعي والتفكير العقلاني لا العاطفي. إن الوصول إلى تحقيق الأحلام الاقتصادية لا يتحقق بالهجرة ولا بالهروب من الواقع، بل في مواجهة الواقع والتعاطي مع ما هو متاح فيه للوصول إلى المراد والمبتغى، وإن لم تقوموا أنتم بهذه المهمة وأنتم عنوان المجتمع وعنفوانه فمن سيقوم به؟!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة