في زماننا هذا.. أين الصديق وقت الضيق؟

هل الصديق شعارٌ نتفوّه به أو خيالٌ نتوهّمه أو ظلّ يتربص بنا؟ صرنا نبحث عن صديق كمن يبحث عن إبرة وسط القش، تُرى لماذا تغيّرت الأحوال وتبدّلت القيم والمبادئ والأخلاق، كان الأُوَل يفخرون بأن لهم أصدقاء أوفياء لذلك أطلقوا قولتهم الحسناء، رُبّ أخٍ لم تلده أمّك، نتحدث عن عصرنا دون أن نبكي على الأطلال، صار عصرُنا يفتقد الصديق الصادق الصدوق كما قال الإمام الشافعي في تلك الأبيات الجميلة واصفا فيها حرمان المؤمن من الصديق الوفي الذي لم يعد موجودا فقال:

إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه ولا كل من صافيته لك قد صفا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة فلا خير في ودّ يجيء تكلّفا
ولا خير في خلّ يخون خليله ويلقاه من بعد المودّة بالجفا

أبيات جميلة رائعة لخّصت بعض صفات الصديق في هذا الزمان وغيره، يبدو أن الجفاء والخيانة ونكران الجميل وعدم كتم الأسرار هي التي تفسد الودّ بين الأصدقاء وتُشعل نار الفتنة بين الأخلّاء، إذا لم يحبس الصديق هواه فسيقع في الحفر، وسيعيش بينها أبد الدهر، يبحث عن الزلل ليغطي الوجع الذي أصاب مخيلته وهو يمشي بين الناس في ذُلل، الكل يعرفه أنه ليس صادقا لا مع نفسه ولا مع الآخرين وأنه لا يحفظ الأسرار أبدا وأنه ينقل الكلام ويزيد فيه أو ينقص فيه بمقدار ما تمليه عليه نفسه.

حالة من اليأس أصابتنا ونحن نتجول في ربوع الدنيا القاسية، عندما نختلف مع أي كان نهرع للصديق، نفضفض له ما تكنه صدورنا، نبثّ له أحزاننا، عله يخفّف عنا وطأه الثقيل، علمنا أن راحة البال نحصدها من الفضفضة، هكذا شأن من تلبّس بالمشكلة، وتوتّر بعد المعضلة، لا يهدأ إلا بعد الفضفضة، والآخر يسمعك ولا يردّ، فإما أن يكتم سرّك أو يفضحك، تظن به خيرا وإذا هو يراوغك، كما يراوغ الثعلب.

ما أحلى الصراحة بين صديقين أو زوجين أو بين الأبناء والآباء والأمهات، فهي التي تجعل البيت آمنا والصحبة قائمة والعدل بائنا، هي التي تبني المجتمع على أسس من الأخلاق الرفيعة

لمن أشتكي وقد أمرني الطبيب أن أتّخذ صاحبا لأخفّف عني حدة الضغط التي تلبّست بي، قال لي إنكك تحمل المرض الكئيب المسمى ارتفاع ضغط الدم ولا علاج له أفضل من أن تفضفض عند الغضب لتستريح، قلت عجبا وهل لدي صديق؟ يكتم سري في زمن الفيس بوك والواتساب وحالة النقيق؟ قال بلى ألم تسمع ما يقوله الشافعي في وصف الصديق، قلت له بلى ولكن يبدو أنك لم تقرأ السطر الأخير حين قال الشافعي صاحب القول الرفيع:

سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعد منصفا

أين الصديق؟ أين الصدوق؟ أين صادق الوعد يا طبيب؟ قال ألا يوجد في هذا الزمان صديق؟ قلت ربما ولكنك يجب أن تبحث عنه كما تبحث في القشيش، لا تجده في هذا الزمن الرشيق، الأمر عسير وما هو بيسير، قال لا تكن أخي متشائما من قدَرك الرقيق، واجعل الابتسامة هي الطريق، قلت، ابتسم أو لا تبتسم فالواقع هو المضيق، وكل الأفكار تعْبر هذا المضيق، ولن يسمح المشرف عليه بالمرور إلا بعد أن تدفع فاتورة الضيق من الصديق، لأن العصر الذي نعيش فيه عصر الزعيق والنعيق، ما دامت وسائل الاتصال قد بلغت حدّا من الإشهار بالصديق، فلا أسرار تُحفظ في البريق ولا تسمع إلا ما يثير الزوابع وينشف الريق، ولا تعاون بين الصديق والصديق إلا ما يثير الضيق، ويشحن النفوس بسموم لا تطيق، فهلا رجعنا إلى مستقيم الطريق، ولبسنا لباس الخلّ الصديق حتى تعود علاقاتنا شفّافة كاللباس الرقيق يظهر منها المنصف الصديق؟

نتمنى ذلك العصر الرشيق الذي يتحفنا برحيق الصديق الذي يشفي غليل الرفيق ويبعد عنا شبح الكآبة والقلق والملل والضيم في هذا الزمن السحيق، لماذا نحن لا نصبر على الأذى ولا نطيق، بل لماذا لا نستفيق، ونرتوي من بحر العلم ما نريد وما يليق، ونصاحب الخلّ الأنيق، بعيدا عن الأصوات النشاز والنهيق، لنحفل بالصدق والإخلاص والتفاؤل في زمن غلبت عليه المجاملة وقت الضيق.

لأن النفس أمارة بالسوء فقليل منا من يقبل صوت الآخر حينما يخبره بخطئه وحينما ينبّهه إلى عيبه وحينما يريد أن يصادقه، بل إن كَبْت الفكرة قد تنفجر يوما فتصبح نكرة رغم أنها معرفة
 

ما أحلى الصراحة بين صديقين أو زوجين أو بين الأبناء والآباء والأمهات، فهي التي تجعل البيت آمنا والصحبة قائمة والعدل بائنا، هي التي تبني المجتمع على أسس من الأخلاق الرفيعة وتبين مواقع الزلل وتفرش البساط وتكشف الأوراق، وهي التي تدخل السرور وتغلّف القلوب بالحب والودّ والوئام، فما عاش أجدادنا سعداء إلا لأنهم كانوا صرحاء، وعندما غابت الصراحة في زماننا هذا رأينا التعاسة والبؤس على الوجوه رغم التطور الذي حصل، ورغم العيش الرغيد الذي وجد.

ولكن الذي يحدث أحيانا عندما تحب الصراحة، وتعتقد أنها أفضل شيء في الحياة، تصطدم بموقف من تصارحه من الاصدقاء، فإذا ذكرت له عيبه كأنك لطمته على خدّه فيتلوّن وجهه، وقد يقصيك من قائمة أصدقائه لأنك لم تعد مرغوبا لديه، وأنت تشعر أنك خسرت صديقا كان في وقت إلى جانبك يساندك ويحكي لك ما تجيش به نفسه، وعلى حين غرّة تتغير الأحوال وتصبح في نظره إنسانا متصلبا لا تفقه من الحياة شيئا ولا تعرف أصول التعامل مع الناس وأنك أصبحت فظّا غليظ القلب، لا يولّ أحد وجهه نحوك لأنك قد ارتكبت في نظره حماقة لا تغتفر، حماقة عددتها أنت حذْقا ومحاولة لإصلاح نفس دأبت على التلوّن في كل حين.

ولأن النفس أمارة بالسوء فقليل منا من يقبل صوت الآخر حينما يخبره بخطئه وحينما ينبّهه إلى عيبه وحينما يريد أن يصادقه، بل إن كَبْت الفكرة قد تنفجر يوما فتصبح نكرة رغم أنها معرفة، ورغم الارتياح الذي يشعر به الإنسان عندما يصارح الآخر فإنه قد يجني من ورائه عداوة وبغضاء وربما حقدا وكراهية.



حول هذه القصة

يعقد مجلس الأمن اجتماعا لبحث التصعيد العسكري بين روسيا وأوكرانيا، حيث أعلنت الأخيرة الأحكام العرفية وحالة التأهب، بينما ستستدعي موسكو القائم بالأعمال الأوكراني احتجاجا على اختراق سفن أوكرانية مياهها الإقليمية

26/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة