رواية "ذات فقد".. حب وإيمان وتضحية ورحلة بحث عن أنفسنا

يسعى الناقد في العملية النقدية معرفة الشروط الرئيسة في انتقاد أي عمل أدبي، وهذه العملية النقدية يؤطرها مثلث تأويلي كما سماه الأستاذ محمد الشيكر، يهدف إلى كشف حقيقة النص الثاوية فيه، ويتكون من القارئ والنص والمؤلف، وهذا هو الأساس الذي قامت عليه كل المناهج الساعية إلى بيان معميات النص وكشف بواطنه، فأصبح النص بمثابة السطح الجليدي الذي لا نرى منه إلا قطعته الظاهرة، فإن تحت كل نص بطن وتحت كل بطن بواطن، هكذا تجلت معلمة النص المشيد وفق مساقات تؤطره، ومناهج تحلله، وتأويلات تكشف غرابته، ومقامات توجهه.

الرواية تتحدث عن فتاة يتيمة الأب اسمها ياسمين، تحاول أن تبحث عن ذاتها في هذا العالم، انتشلتها الوحدة وجعلتها تعاني وتحتضر، وجدت للبحث عن مجهول وعن شيء ينقصها في دواخلها، تريد الخروج من ألم المعاناة، إنها لم تعد قادرة على الاستمرار في العيش، تخاف الموت وتهابه، لها رغبة في العيش؛ لأن الحياة هي أن نحيا على شيء وبشيء، فياسمين تبحث عن ذاتها وعن شيء فقدته في الحياة، هو مجهول لا تعرفه ولا نعرفه، إلا أننا نحاول نبينه وأن نصل إليه، ما دام أن الأديب نجيب محفوظ يقول:

 

"إن البطل في الرواية العربية يبحث دائما عن شيء مجهول، بخلاف الرواية الغربية فإن البطل دائما في حالة انتظار"، هنا تتأكد لنا أحقية قوله، وهي أن ياسمين فقدت شيئا تبحث عنه، من أجل الإحساس بالوجود، كانت تخشى المجيء للحياة، إلا أن القدر قد أرادها أن تولد، هي تعيش بين "ضباب الموت وسراب الحياة"، واستعمال الضباب مضافا إلى الموت هو لحرصها على الحياة، وإضافة الحياة إلى السراب هو لعيشها في وهم مثالي، يبعدها عن حقيقة الحياة الواقعية.

سعت ياسمين باعتبارها رمزا للإنسان في الرواية إلى البحث عن مجهول ينقصها، تبحث عن ذاتها ضمن الكينونة المؤطرة للإنسان، وتمكننا المعرفة السيكولوجية، أن نعايش النص، وأن نتعايش مع الحالة النفسية لكاتبه، من أجل أن نحدد تجليات البحث عن الذات في رواية "ذات فقد"، إذ نتساءل كيف نجد ذاتنا في هذا العالم؟ ونجيب عنه فيما يلي:

البحث عن سر الوجود (الحياة):
إن معرفة الذات والبحث عنها يتطلب منا الخلوة والوحدة في بعض الأحايين، تلزمنا لحظات لنكون وحيدين ما دمنا سنموت ولن يرافقنا مع الخالق أحد

تتساءل ياسمين عن سر وجودها في الحياة، فهي دائما ما يدخلها الشك، وترغب في البحث عن إجابات مقنعة، تمنح لها أمل العيش والاستمرار في الحياة، وهذا ما يحصل مع الإنسان في أحايين متعددة، يقف مع نفسه في خلوة يسأل ذاته لم وجدت أنا؟ وما دوري في هذه الحياة؟ وشاهد ذلك قول أثير: "هكذا هو الإنسان لحوح هو في رحلة الحياة، شغوف في البحث عن إجابات تجيب عن كل ما فيها"(ص146)، فالإنسان متسائل بالضرورة عن سر وجوده في الحياة، تأخذه التساؤلات للبحث عن إجابات، وتتأتى له في الاستمرار في الحياة، تقول أثير على لسان ياسمين: "حينما أتأمل الحياة أجد أن هناك أمورا كثيرة يتوقف عندها الإنسان طويلا، يتوقف عندها بحثا عن إجابات حاسمة…مريحة نهائية".

إننا نساير الحياة بما فيها، وإننا متسائلون دائما عن الغرض من وجودنا، من أجل أن نعرف ذواتنا، وأن نقودها لما وجدت له؛ لأن هناك ظروفا تجعلنا نستمر في الحياة ومواجهتها إيمانا وصبرا وحبا وثقة، هناك فضائل نعيش عليها، ونحتاج "إلى الكثير من الجرأة لنستطيع التعامل مع هذه الحياة، الكثير والكثير منها، نحتاج إلى تاريخ جديد"، وروح جديدة وولادة جديدة، لنعرف سر الوجود.

السعادة الذاتية:

يرسم الإنسان لنفسه أحلاما للبحث عن السعادة وتجلياتها، يريد أن يتخلص من الكآبة، والواقع المليء بالحزن، هذا ما بينته أثير على لسان ياسمين قائلة: "اليوم أريد أن اختار السعادة، أسعى إليها وأرجوها"(ص106)، الشيء الذي لا يكرهه الإنسان ويظل باحثا عنه، هو السعادة أغلى ما يمكن أن يحققه الشخص في هذا الوجود، نحن في بحث مستمر عن السعادة المبددة حتى نرى ذاتنا، تقول ياسمين: "أريد أن تشع السعادة من جديد في أعماقي، أن تظهر إلى السطح وأن تملأ روحي رقصا وغناء وجمالا وألقا"، حقا نريد للسعادة أن تشع، وأن تضيء لنا هذا العالم، لنشعر بالسعادة.

البحث عن الذات في الوحدة:

إن معرفة الذات والبحث عنها يتطلب منا الخلوة والوحدة في بعض الأحايين، تلزمنا لحظات لنكون وحيدين ما دمنا سنموت ولن يرافقنا مع الخالق أحد، "نحن نرحل عن هذه الحياة وحيدين، عندما نموت لا يرافقنا لمواجهة الخالق أحد، فلم نخاف أن نعيش وحيدين طالما نغادرها وحيدين أيضا؟"، وحيدون نقاد إلى الدار الأبدية، وكل سيحاسب وحيدا، ألم يقل الله تعالى في سورة مريم "وكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدا"، لم نخش على حالنا أن نعيش الوحدة في الحياة؟

البحث عن محب ينتشلنا من الوحدة وشبح الخوف من الموت:

اقتبست أثير قولا لنزار تقول فيه: الحب بعض تخيلنا لو لم يكن لاخترعناه"، وهذا ما يجعل الشخص يبحث عن ذاته في بحثه عن روح يتصل بها، فالتقاء الأرواح يضيء الطريق الذي سيمر منه الشخص، إننا نبحث عن أشخاص يضؤون حياتنا، فحينما تحس بأن ذاتك تعلقت بشخص تحبه، فذلك لأن نفسك تجسدت فيه، فإذا أبصرته أبصرت ذاتك، هذا ما حاولت أن تجسده أثير حينما جعلت من شخصية ياسمين في الرواية وحيدة، تبحث عن إنسان ينقدها من ظلام الوحدة والانطوائية، فلما رأت حبيبها، كأنها رأت صورتها بل ورأتها، فهو شخص يتشارك معها نفس المواصفات والبدائل، فتزوجته، بقولها: "أفكر فيمن سيأتي وينقذني من معمعة الموت تلك، من سيقدر على أن يتعايش مع رائحة الموت التي تفوح من مسامي الصغيرة، من سيتمكن من إلجام صوت الموت الصادح داخل رأسي، من سينتشلني من لجثه التي تكاد تُجهز علي وتفتك بي"(ص16).

 

يجد المرء ذاته في الإيمان بالله تعالى، ومن أعرض عن الإيمان به فمعشيته ضنك ويأس وبؤس، فالإيمان مسكن الذات الإنسانية، ما إن نقص آلت معه الذات إلى النقص والفتور
 

الموت ههنا هو الخوف، والوحدة، والألم، والمعاناة، واليأس، فهي أشياء تصدح في دواخلنا نريد أن ننفك منها في البحث عن حبيب، لنواجه معه كل معيقات الحياة ومساوئها، نبحث عنه لنتخلص من شبح الموت وقواطعه، ولتعلم أن الموت ليس هو خروج الروح وصعودها إلى السماء، بل الموت هو ما يقتل ذاتنا، وما يفقدنا الإحساس بالحياة، وما يجعلنا نفقد الأمل ونلجأ إلى جبة الفشل، ونظل مقبوعين إعياء واستسلاما، نشعر برغبة في لخلاص من شبح الموت، تقول ياسمين: "شعرت أخيرا برغبة للخلاص من هذا الموت، لم يعد في قلبي متسع لهذا الحزن، الذي بات يكبر ويتسع ويتضخم لأسباب كثيرة أخرى"(ص59)، لنا طاقة عظيمة نتجاوز فيها أحزاننا وآلامنا، لنبحث عن ذاتنا ونقف على ناصية الحلم ونقاتل كما قال درويش.

تأصل الذات في التضحية:

ينبغي لنا إذا أردنا أن نحس بذاتنا ذاتا موجودة، أن نضحي من أجل الوصول إلى ذلك، هذا ما تصوره رواية "ذات فقد"، في قول ياسمين: "لا أتنازل عن شيء ما، أنا هنا أضحي بكل حياتي، أضحي بكل الأشياء، وفرق شاسع بين التنازل والتضحية"(ص60)، إننا نولد من أجل التضحية والتنازل، نولد لنقاتل ولنعيش مهما اشتدت علينا الحياة، وأياً كانت الظروف فنحن موجودين لنتجدد بعد كل ألم، ونصارع في الوقوف بعد كل سقوط، وإن شقت الحياة فإننا صابرون، نجعل من الفشل والسقوط خرافة وهمية نحس بها.

الإيمان مسكن الذات:

يجد المرء ذاته في الإيمان بالله تعالى، ومن أعرض عن الإيمان به فمعشيته ضنك ويأس وبؤس، فالإيمان مسكن الذات الإنسانية، ما إن نقص آلت معه الذات إلى النقص والفتور، فمن آمن بالله وأصلح فلا خوف عليه ولا حزن له، وينبغي أن نفوض أمرنا لله تعالى، فهو القادر على كل شيء والعالم بأحوالنا وهو القائل في سورة آل عمران: "إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ ولاَ فِي السَّماء"، تقول ياسمين: "أنا مؤمنة بأن الله قادر على أن يغير الحال في لحظة، وبأنه قادر على أن ينشلنا من وحل الهم ليصب فوق رؤوسنا مطرا، أؤمن بأنه قادر على أن ينزع الفرح منا فجأة"(ص146)، يجب أن نؤمن بالقدر وبأن الله تعالى هو القادر على كل شيء، أن يفرج عنا أو يفرحنا، وهو القائل عز شأنه في سورة الأنعام: "قُلْ هوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ". رواية تجسد كيف يبحث الإنسان عن ذاته، إجابة عن فكرة نجيب محفوظ، فالبطل في الرواية يبحث عن مجهول هو الذات والأمل والحب، والتضحية، والإيمان، وكل ما جاء على بالك وأنت تقرأ هذه المقالة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة