ومن يُؤمن بالله يهدِ قلبَه

blogs دعاء

تتمايلُ بنا الدنيا ولا ندري أين ستقذفنا، تقودُنا والنفسُ فينا تنصاع وتُذعِن، قد يتمرّدُ فينا القلبُ الضَمائريُّ قليلًا على شهواتِه مرّدِّدًا عباراتِ تحذيرٍ وحَسرَة ولكن ما يلبث إلّا ويَخرس ويَهمُد، تموتُ فينا الرُّوحُ ونبقى نبحثُ عن بقايَا الحياةِ فيها فلا نجدها، نظنّ أنّنا بمادِّياتِ الدنيا سنحيا، نظن أنَّنا بِها وبمغرياتِها سنَصِلُ إلى المُبتَغَى، نظنُّ في لحظةِ غفلةٍ عابِرَة أنّنا إذا ركَضنا متحرِّرِين من ضوابِطِنا سنصِلُ إلى ذلك المَقام، بل لا نظنُّ ولا ندرك شيئا ونواصل الركضَ بلهفةٍ لأن البصيرةَ مغشَّاةٌ والعَمى استوطنَ الكيان واكتسحَ حياتَنا الظلام ولا نزالُ نَنبُش في طريقنا ذاك عن ضوءِ نجاتِنا غير أنّنا نسينا بل تناسينا أنّ النّجاةَ في غير ذاك السّبيل والحياةَ على غيرِ ذلك المعبرِ المُوحِش الذي قادتنا إليه وساوسُ نفوسِنا ورغباتُها الكاسحة.

تفتِنُنا الدُّنيا وتستدرِجُنا لنفقدَنا، تفرش لنا ما يروق لنفوسِنا ما تتوق إليه قلُوبُنا وتحرِّكُ فِيهَا حِسَّ اللذّة الوقتيّة، ترميهِ طُعمًا لنفوسِنَا فنهروِلُ لالتِقاطِهِ على عَمًى بكلّ جوارحِنا فنجدنا في وادٍ سحيق، رمينا فيه أنفسَنا بأنفُسِنَا، يستيقظ حينذاك الضّميرُ ليلسَعَ أروَاحَنا حديثَ حسرة ولكن ما نلبثُ إلّا ونقتُلُه من جديدٍ إذا ما لاح لقلوبِنا سبيلُ لهوٍ آخرٍ محفوفٍ بالشهواتِ اللحظيّةِ الزائلة، متناسين أنّ لا دنيوِيّ خالص بدون أخرويّ خالص، ولا هناء هنا بشيء إلّا إذا كان مُغتَرفًا من ذَاكَ الهناء الأزَليّ وتلك السعادة الأبديّة الخالدة.

لا نملك زمامَ السيطرة علينا، فالقلب وراء شهواتِه لا يقوى على التباطؤ والرّوحُ نحوها مندفعَةٌ لا شيء يكبَحُها، أزلنا _بإخراسِنَا الصوتَ الخفيَّ الصادقَ فينا_ كلَّ ما يحول بيننا وبين ذلك السّرابِ المكذوب، نُهَوّنُ من أجل الوصولِ إليه كلَّ صعب، ونصهر كلّ حاجزٍ بإحراقِ مبادئِنَا. ضمائرِنا بل أرواحِنا، نخدِّر ما تبقّى صاحيًا في قاعِ نفوسِنا ثمَّ نرغمهُ على الانصياع، نهوي شيئا فشيئا ونبتعد حتّى نتوهَ ونضِل فلا نجد الطّريق إلى أنفسِنا، إلى العالم من حولِنَا ولا إلى الغايةِ التي بذلنا كلَّنَا من أجل البلوغِ إليها. نظلُّ نتخبّط والنفْسُ فينا تحتضِر والنَّفَسُ يختَنِق، لم نعُد نَحن، ولم تَعُد الرّوح كما كانت عليه، نفقِدُ الحياةَ في بحثِنا عنها في منعطفاتِ دنيَانا الفانية حتى نضيع في متاهاتهَا لا نقوى على الخروج ولا على العبور.

كن كما يُحب وسبحانه سيلتقطُك من ضياعِك، سينفض عنك شعثَ زلاتِك، أنِب إليه وتُب، وسيُطهِّرُك من كلِّ ما دنَّسَته خطاياك، من كلِّ جرائمِك بحقّ نفسِك

(قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين) لا نزال مشتَّتين على أرصِفة الضّياع حتّى إذا جاء أمرُ الله، خُطِّطَت رسائلُ هدايتِه، وبُعثَت إلى قلوبِنا تُرجِّح فِيها كفّةَ الحقّ، تُصحِّحُ ما اختلّ وترتِّب ما تبعثر فينا، تدلُّنا على سُبُل نجاتِنا، إلى الصواب الغافِلِين عنه. إذا ما كان إيمانُنَا بمراقبةِ الله، معيّتِه ولا تناهي أطرافِ قدرتِهِ صادِقًا سنلتقِطُ وميضَ إشاراتِه ودلائلِه ثمَّ نحتَويها فِي قلوبِنا لتُسقَى بِهِا حُبًّا وتكبُر بيقينِنا بأنّ ذاك هو طريق الله الذي لا يُخَيِّب أبدا حاشاه، رحمن رحيم إذا ما قال للشيء كن استجابَ وكان وكُنّا معه، كنَّا كما يحبُّنا سبحانه أن نكون، كنّا برحمتِه ورأفتِه كذلك، كنّا مؤمنِين بقدرتِه الواسعة على تحويلِ حياتِنا بإشارةِ رضًا منه، بانتشالِ أرواحِنا، بتغيير وجهاتِ مُضِيِّنا إليه، ويالَفلاحِنا إن كان طريقُنا إليه.

(مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) كن كما يُحب وسبحانه سيلتقطُك من ضياعِك، سينفض عنك شعثَ زلاتِك، أنِب إليه وتُب، وسيُطهِّرُك من كلِّ ما دنَّسَته خطاياك، من كلِّ جرائمِك بحقّ نفسِك، وحدَه القادرُ على ذلك فإن رضِي عنك طُوبى لك ولحياتِك نِلتَ رحيقَ الهداية خالصًا لقلبِك واستنشَقت عبير الفلاحِ طيِّبًا لروحك، فهل بعد ذا إلّا تسليمُ النفسِ طَوعًا لربّك.

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) إذا أراد لك الهدايَة هداك إليه وإن شقَّ السبيلُ وامتدّ وطال السّعيُ واشتدّ، وأظلم الحالُ واسودّ، وإن خارت قِواك للسّير فيه، وضعُفَت شدّةُ احتمالِك لاستدراجِ شهواتِك وأنت عليه، وإن انفضّ النّاس من حولِك بمجرّد أن صِرت على ما أنت عليه، وأفلتُوا يدَ العونِ إذا أنت اتّخذتَه طريقَك واقِعَك ومصيرَك، سيهديك بنورٍ ينبثقُ من نهايتِه إلى روحِك، يدفِّئ كيانَكَ في رعشاتِ الهَجر، ويُلهبُ طاقتَكَ في ساعاتِ الضّعف وعَزيمَتَك في لحظات اليأس، وإن بَكَيت وذرَفت الأسى لهوانِك، وتعثَّرت واستعصَى علَيك الطَّريقُ لوحدِك، سيَروي جسدَك عونُه، فيحرّرُك من أثقالك، ويدفعُك كالنسر الكسير لتبلُغ مقامَك الذي وهبَك إيّاه بفضل رحمتِه ،توفيقِه وعونِه لتسأَله الثباتَ وتحمَدَه على النّعمة العُظمى التي جاد بها من فيضِ جودِه عليك.