معرض برارغ.. المشروع الثقافي في مقديشو

يكاد يكون اهتمام الكتاب مقدمة لأي مشروع نهضوي ورمز للتنوير والتقدم، فلم تعد القراءة فعلا استهلاكيا بالنسبة لنا كمجتمع يعاني تفككا في جميع جوانب الحياة، ومن ثم فإن العمل الثقافي بات ضروريا لإعادة الأمل والثقة في نفوسنا التي أرهقتها الحروب. تمكن صناع الموت تجريد مدينتنا من كل ما هو جميل حتى فقدنا الإحساس بالجميل ودخلنا دوامة من التيه واليأس وفقدنا الثقة بالنفس حتى أصبح الصومالي عنوان لليأس، والصوملة المشهورة في وسائل الإعلام تشهد ذلك.

 

وأستطيع أن أقول أن انصياعنا للواقع هو سبب هذا اليأس لأن الخضوع للواقع يسلب منا الإبداع والخيال. وأتذكر عندما كنا نذهب إلى المدرسة كانت المدرسة الملجأ الوحيد للهروب من هذا الواقع، حيث كنا نحلم ونبدع ولكن بأساليب بدائية لا ترتقي إلى أبسط مقومات التعليم كطالب يريد أن ينافس سائر الطلاب في العالم. ولهذا لم نفقد الأمل ولم يستطع اليأس أن يسيطر حياتنا، وبالفعل تمردنا على هذا الواقع.

ذاكرة الحروب الأهلية لا يجب أن تنتهي بهذه الصورة العفوية والبسيطة لأنها من أكثر الحقب ألماً وهي مرحلة مفصلية في تاريخ الأمة ومن خلالها تستطيع الأمم أن تعيد تأسيس كيانها. فمثلا الولايات المتحدة الحديثة هي نتيجة الحروب الأهلية 1861 إلى 1865 فكان من ضمن النتائج تحرير العبيد وتعزيز الحريات، وبالتالي فإن حقبة الحروب الأهلية ليست عرضية فقط، بل هي نتيجة صيرورة اجتماعية وسياسية تشكلت واتحدت بشكل سيء، مثل الفساد والاستبداد مما أدي إلى انتشار الكراهية والتعصب والتطرف وانهيار القيم وبروز نخب فاسدة وسماسرة تتاجر مصالح الأمة.

 

هناك نخبة من الشباب يرون أن الثقافة واهتمام القراءة تساهم في تشكيل كيان هذه الأمة المتفككة. ومن ضمن هذه المشاريع مشروع برارغ

ونشهد الأن مرحلة مفصلية وهي بداية حقبة يعرف ما بعد الحروب الأهلية، وهذه الحقبة لها متطلبات سياسية واجتماعية مثل تثبيت العدالة وتوزيع الثروة وتشكيل الكيان السياسي من جديد. ومن المتطلبات مشاريع ثقافية مثل نشر الكتب وتعزيز قيمة القراءة، من الأعمال المهمة في هذه الحقية كما ذكرنا تركيز العمل الثقافي والمساهمة في تطوير الحياة الفكرية مثل التأليف وحركة النقد والفن والمعارض، وتحتل المكتبة والكتاب مكانة مهمة، لأنها المكتب لا تقدم الكتب وحسب بل تعيد للحياة الثقافية حيويتها.

اهتمت بعض المؤسسات في مقديشو مشروع الكتاب ومن أهمها معرض مقديشو الدولي، الذي يقام سنويا، وللأسف صار المعرض جزء من المشاريع الاستهلاكية التي لا تقدم طرحا مفيدا، بل تكرر النماذج المستهلكة التي لا تحمل أي معنى أدبي، وهذه المشكلة من المحتمل أن تتحول إلى نموذجا طبيعي ومعيارا يحدد مستقبل العمل الثقافي في مقديشو

وفي المقابل هناك نخبة من الشباب يرون أن الثقافة واهتمام القراءة تساهم في تشكيل كيان هذه الأمة المتفككة. ومن ضمن هذه المشاريع مشروع برارغ الذي أقام معرضا في مقديشو نهاية هذا الأسبوع 22 و 23 نوفمبر، حيث أقيم بجانبه ندوات علمية ونقاشات مهمة تسلط الضوء على واقع الصومالي، من مشكلة الدولة إلى مشكلة التدين مرورا بمشكلة الإعلام. ومفردة برارغ Baraarug تعني بالعربية (الصحوة) والصحوة مرحلة مهمة في المشروع النهضوي، حيث تبدأ الأمة بالوثبة وأدراك المشكلة، وتشعر الأمة حقيقة وجودها المعنوي مما يساعدها على إيجاد الحل والخروج من المأزق.

كان النقاش عن السياسة والدولة حاضرا ولكن بشكل مغايرا تماما على النقاشات العقيمة والسرديات القديمة التي تكررها بعض المؤسسات الإعلامية والسياسية، وذلك بسبب غياب البعد الثقافي والتي حولت العمل السياسي إلى عملا عبثي لا يستوفي شروط النهضة، ومن ثم فإنه من الضروري عقلنة الفعل السياسي وإيجاد سياسة ثقافية وثقافة سياسية تخدم مصالح المواطن. وكذلك كان موضوع الدين حاضرا في الندوات باعتبارها ركن من أركان كيان هذه الأمة، فهي أمة مسلمة سنية المذهب، فالبحث عن تاريخ التدين وتأثيره على المجتمع يعد مفتاحا لفهم سيكولوجية هذه الأمة، وتاريخ الإسلام جزء من تاريخ هذه الأمة ولاسيما هذا الوقت الذي أصبح للدين حضورا كبيرا متمثلا بالحركات الإسلامية التي شكلت التدين الاجتماعي.

وكذلك كانت القومية والنقاش عليها حاضرت بسبب ارتباطها الوثيق بنشوء الجمهورية، لأن السياسة القومية التي شكلت مفهوم الدولة الصومالية لم تسعف كيان الأمة من الانهيار، وبالتالي فإن فشل الدولة كان أيضا فشل السياسة القومية، ومن جانب أخر كانت العلاقة المتوترة بين الدولة والقبيلة والقومية والدين من أكثر المواضيع التي أثير حولها النقاش، حيث يطرح بعض المثقفين الصوماليين إعادة أشكلة نوع هذه العلاقة، إذ لا يمكن إقامة كيان سياسي وفي نفس الوقت هناك توتر في العلاقة بين هذه المفاهيم الأربعة (الدولة الحديثة والقومية والدين والقبلية).

 ينطلق منتدى الحوار بقيم التعددية والتعايش والحوار كأسس لبناء أمة متماسكة وذلك من خلال العمل الثقافي، أي عن طريق المكتبة والقراءة
 

كان الكتاب العربي حاضرا بشكل، حيث لا يمكن عزل الصومال من محيطها العربي وذلك بسبب تاريخنا المشترك والبعد الجغرافي والانتماء الديني، هذه الحقائق تجعل اللغة العربية لغة ذات صلة وثيقة بهوية هذه الأمة، وإن العربية ليست مجرد لغة بل هي أسلوب تفكير حيث أن اللغة كما عند علماء اللسانيات هي وعاء ينطوي في داخلها تاريخ كامل ولهذا فإن وجود اللغة العربية في الصومال لا يجب أن تكون غريبة. ولم يهمل المعرض الكتاب الصومالي ولا يمكن لأي مشروع ثقافي نهضوي أن يتجاهل لغته وإلا سيكون مشروعا عبثيا لا جدوى منه، فكان الكتاب الصومالي حاضرا بشكل لا يقل ثقلا بالكتاب العربي، فمهمة المعرض لم يكن مهتما باللغة بل تعزيز فعل القراءة والربط بين القراءة وبين النهضة. ولذلك لم تكن اللغة عائقا أمام المعرض لأن الهدف كان تعزيز قيمة القراءة وإحياء العمل الثقافي.

وفي الأخير كان من بين المنظمين مؤسسة يعرف بمنتدى الحوار وباللغة الصومالية Madasha Aragti Wadaag. شاركت منتدى الحوار كمنصة في تنظيم الندوات، وهذه المنصة تعرف نفسها بأنها جزء من المشاريع الثقافية في مقديشو، لهذا شاركت المعرض ونظمت الندوات. ينطلق منتدى الحوار بقيم التعددية والتعايش والحوار كأسس لبناء أمة متماسكة وذلك من خلال العمل الثقافي، أي عن طريق المكتبة والقراءة، وترى أن بيع الكتب ليس كافيا بل يجب أن يكون هناك برامج تثقيفيه وورش أعمال لتعزيز القراءة والتدريب على التفكير النقدي لإيجاد وعي نقدي يساهم في إحياء العمل الثقافي. وترى أنه من الضروري أن يمثل الصوماليون أنفسهم وذلك في تقديم أنفسهم للعالم وحقهم في طرح قضيتهم بلغتهم وبعباراتهم، وأن زمن الوكالة يجب أن ينتهي، والتمثيل الذاتي جزء من الحقوق الطبيعية للإنسان.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة