مسيرة الطالب العربي.. خطى ممنهجة نحو المهزلة

مدونات - التعليم في مصر

سوف يمضي أولُ عقدين من عُمرك يُوهِمونك بأنك ما زالت غير مستعد لمجاراة تلك الحياة القاسية خارجاً.. سوف يملؤون عقلك بمجموعة من الأفكار البالية التي لن يتسنى لك حتى التأكد من سلامتها من خلال إخضاعها للتجربة فهي مُسلّمات متوارثة. ثم ماذا؟ بكل سذاجة سيقومون بإنهاء فعلتهم بفكرة خبيثة بأن القمة ومن عليها من استثنائيين ليست لك.

مع بداية أيامك الأولى في المرحلة الابتدائية ستجد نفسك واقفاً كالمسمار بين جموع كبير من الطلبة حتى تقوموا ببعض التمارين الرياضية المهمة – كما يدعون – وأن أي تباطء أو تكاسل منك سيُعدّ تحقيراً لكرامةِ معلمٍ يدّعي بأن الحَزم والشدة هما سبيلك للاستقامة. بعدها سوف تدخل إلى الغرفة الصفيّة التي لن تخرج منها الاّ بعد 12 عام. سوف يُقنعوكَ بأن دروس الصرف والنحو ستجعل منك سيبويه، وبأن دروس العَروض ستجعل من شاعراً يجول في بحور الشّعر. كل هذا بدون حتى أن تتكلم اللغة الفصحى بين زملائك في درس اللغة العربية على الأقل. ونفسُ المعلم لن يعتبرها تحقيراً لكرامته بأنك تتكلم اللغة العامية في داخل الصف، وبهذا سوف تمضي سنونك دون التكلم بلغتك التي هي أم اللغات.

لم يكن هدفي التقليل من دور المعلم – معاذ الله – بل أردت أن أبين أن المعلم أيضاً هو ضحية لمنظومة تعليمية تفرض عليه الالتزام بمنهج معين.

أما عن درس الثقافة الإسلامية، سوف تتعلم القرآن قبل الإيمان على عكس ما قام به قدوتنا رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، وبذلك ستنمو داخلك الكثير من الأسئلة الشكوكيّة التي بمجرد  أن  تسألها بغرض المعرفة سوف يتهموك بالزندقة.  يا صاحبي، حينما يبدأ وقت مادة الجغرافيا اخرج واترك مقعدك فارغاً لأن الخرائط التي يتدارسونها هي مؤامرة على المسلمين كما قال معلم التاريخ في الحصّة السابقة. اخرج واسأل معلم الرياضيات كم نحتاج من الوقت حتى نُغطي الحد الفاصل بين دولتين على امتداد "س" كيلومتر بالأسلاك الشائكة.

هذا قليل من كثير، فلا الوقت ولا الكلمات كافية لذكر التفاصيل المملة، من المنافسة المُجبر عليها بأن تتفوق في دروسك وتصبح فخراً لعائلتك الكريمة التي تربط نجاحك وتفوقك الدراسي برزقك وبمستقبلك وبالمكانة الاجتماعية التي ستحظى بها، حتى بنوعية العائلة التي ستصاهرها. وكأنهم اطلعوا على الغيب أو كانوا بالقدَر عالمين. بعد أن أنهيت أول عقدين من حياتك، ستتخصص في مجال قد لا يناسبك بل يناسب قدرة والدك الماديّة أو يُناسب معدلك التراكمي في الثانوية العامّة. في محاضرتك الأولى سوف يدخل الدكتور المتخصص في المادة التي تدرسها محدثاً اياك عن جولاته في بِقاع العالم وعن سيرته الذاتية العطرة، وبذلك سوف يقتحم عقلك بكل سلاسة مُحدّثاً إياك عن النظريات والبحوث التي على طاولته وداخل حقيبته الجلدية باهتة اللون دون أي جدال منك.

باختصار شديد، لن تقوم بأي تجربة علمية مفهومة المبادئ والقوانين. لن يخبروك من أين أتت قيمة الثابت الرياضي "باي" ولن ترى ذرة الكربون عن كثب تلك التي فاضت الكتب بالتحدث عنها. لا أريد  أن  أتجرد من حواسي بينما أتعلم، لن أسمح لك بحشو عقلي بمجموعة من النظريات دون تجربتها. فما العلم والمعارف إلا نِتاج الفضول البشري للمعرفة والابتكار فيما أراد. قد تكون ساعة واحدة من مشاهدة فيلم بلغة أجنبية كافية بأن أحفظ الكثير من المفردات الجديدة. ساعة واحدة من التكلم باللغة العربية الفصحى يومياً قد تكون كافية بأن تجعلني فصيحاً، وساعة أخرى بين العناصر والمركبات قد تجعلني "جابر بن حيان" هذا الزمان.

إلى متى هذا الإصرار على صنع النُسخ؟ متى سوف ينهي هذا السباق نحو الشهادة ونحو العلامة الأعلى؟ بصراحة لا أعلم، لكن يجب على كل فرد منا أن ينسحب من هذا السباق نحو طريق يناسب قدراته وأفكاره حتى لا ينتهي به الأمر إلى المهزلة. في مقالي هذا، لم يكن هدفي التقليل من دور المعلم – معاذ الله – بل أردت أن أبين أن المعلم أيضاً هو ضحية لمنظومة تعليمية تفرض عليه الالتزام بمنهج معين. شكراً للذين نشروا علومهم بجميع السُبل المتاحة سواء عن طريق المقالات والفيديوهات التعليمية أو عن طريق الطرق التقليدية.



حول هذه القصة

مدرسة امل نينوى

ثمة ظروف موضوعية أدت إلى إنشاء مدارس عراقية في تركيا، أبرزها عامل اللغة واختلاف المناهج وتباين العادات الثقافية بين العراق وتركيا، لكن الأمر تحول فيما بعد إلى مشروع استثماري.

Published On 19/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة