روبنسون كروزو.. حكاية مغامر أم مستعمر!

روبنسون كروز

هي بداية حقبة عصر العقل إذن، أوائل القرن السابع عشر والتي ستستمر إلى نهاية القرن الثامن عشر، حينها تحولت أوروبا إلى ينبوع تتدفَّق منه المعارف والعلوم والأدب، وقد كان لإنجلترا الباع الأطول في هذا الشأن، مستغلةً كل ما تتميز به من سِمات جغرافية وسياسية، ومنها انطلقت حركة الاختراعات وحملات أعالي البحار الاستكشافية والاستعمار الكولونيالي، وفيها تكونت اللبنة الأساسية لارتقاء الطبقة البرجوازية التي احتلت مكانة اجتماعية واقتصادية، وأصبحت مالكةَ نفوذٍ وسلطان، وبذلك أصبحت الشخصية الإنجليزية متعاليةً وواثقة بنفسها يقودها التفوق والإتقان.

وفي خضم هذه الابتكارات، كانت الرواية الحديثة قد ولدت وخلَّفت معها أعظم الروايات بدءاً من دونكيشوت لراويها الإسباني ذائع الصيت سرفانتس، مروراً برحلات غوليفر لكاتبها جوناثان سويفت، وصولاً لرواية روبنسون كروزو لمبدعها صاحب الخيال الغزير الإنجليزي دانيال ديفو، والتي جسَّدت تلك الفترة بخباياها وتفاصيلها وألقت الضوء على جوانب الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية السائدة فيها بأسلوب شيِّق وحذق.

ولد دانيال ديفو في لندن عام ١٦٦٠ لعائلة فقيرة، واشتغل بالتجارة وخسر فيها، ووقف في وجه الكنيسة وسُجن إلى أن أُطلِقَ سراحه عام ١٧١٤ مع بداية الحكم الجورجي لإنجلترا، وفي الستين من عمره بدأ ممارسة الأدب وتبنَّى الأفكار الليبرالية التي سيضعها في ثنايا كتاباته أثناء سرده الروائي.

روبنسون كروزو
شخصية كروزو هي شخصية كولونيالية استطاع ديفو من خلالها تشريع وتأييد سطوع نجم الطبقة الوسطى أحد أذرع الرأسمالية، وإقناع القارئ أنك أنت أيضاً تستطيع أن تنجز أهدافك بجهدك الشخصي

يروي ديفو في تحفته قصةَ الشاب الاسكتلندي روبنسون كروزو الذي كان مهووساً بالترحال والمغامرات، والذي انتهى به الحال إلى أن سقط في إحدى الجزر النائية بعد عاصفة قوية أودت بالسفينة التي كان على ظهرها، والتي سيمضي فيها أكثر من ثماني وعشرين سنة من عمره وحيداً منقطعاً عن أسباب الحضارة والمجتمع بأسره.

للوهلة الأولى يشعر القارئ أن الرواية هي قصة إحدى المغامرات التي مر بها هذا الشاب، وأنها بسيطة مقدَّمَةٌ إلى الشباب الناشئ فحسب، إلا أنَّها مصممة أيضاً لسبر أغوار حقبة بعينها، إذ يصور لنا ديفو أن هناك مكاناً أسوأ من الدنيا الحقيقة التي نعيشها، وهي هذه الجزيرة الخالية من البشر المتروكة إلا من بعض زيارات آكلي لحوم البشر، والتي كان يتعامل معها البطل كروزو بذكاء خارق. يبدأ كروزو في أيامه الأولى ببناء مسكنه الخاص به من مخلفات السفينة التي عصفت الرياح بها، وبعد ذلك بدأ بحرث الأرض وزرعها وقام بالصيد وتربية الماعز فيها.

يقول كروزو: "وعلى وجه العموم أبليت بلاءً حسناً: فمن كان يعرف أن باستطاعتي بناء حصن أو اصطياد طعام؟ ومن كان يعرف أن لدي القوة والإرادة للنجاة؟ فقد كنت محظوظاً، إن لديَّ الغذاء والماء والمأوى، أي أن الاحتياجات الأساسية كانت متاحة." يحاول ديفو من خلال عرضه لنجاحات شخصية البطل الخيالية تسليط الضوء على الفردانية ورمزياتها، وعن بزوغ أهمية الفرد في المجتمع الأوروبي، وكيف أنه بالفعل الفردي سيصبح الفرد قادراً على إحداث أثر بالغ في مسار التغير الاجتماعي.

يستخدم ديفو الكثير من المواقف التي يكلم فيها كروزو الإله أو القدر، رابطاً نجاحاته وفشله برضا الإله أو سخطه عنه كقوله: "مرت شهور كثيرة قبل أن يجيب القدر عن أسئلتي". للإيحاء أن الإنسان يمكنه أن يحقق طموحاته وأهدافه من خلال عمله الجاد والانتماء إلى دين معين في إشارة منه إلى البروتستانتية المتناغمة مع الإنجازات العلمية التي بلغت أوج قوتها في ذلك العصر، والتي كانت تولي موضوع الفردانية والاستقلال الفردي أهميةً بالغة.

استنادًا إلى روبرت ميرتون أحد رواد النظرية البنائية الوظيفية المعاصرة الذي لا يختلف فكرياً عن دانيال ديفو في هذا السياق، فالعلاقة بين الانتماء الى أي دين والاهتمام بالعلم هو نتيجة لتضافر متين بين القيم البروتستانتية وتلك في العلوم الحديثة، وقد حضت القيم البروتستانتية على العلم من خلال السماح له بتحديد تأثير الإله على العالم حسب ميرتون، وبالتالي تُقَدَّمُ مبررات دينية لأغراض البحث العلمي. تاريخيًا لم تدخل البروتستانتية في صراع مع العلم، وكان ميرتون قد أسند نظريته بسبب كون أغلب العلماء في الجمعية الملكية وهي من المؤسسات العلمية المرموقة من البروتستانت.

undefined

وقد أكد الكثير من الباحثين أنَّ أخلاقَ العمل البروتستانتية كقيم الموثوقية، والادِّخار، والجهد، والمثابرة والتسامح، أحدُ أسباب تطور المجتمع اقتصاديًا، ودافع لتطوير العلوم وواحدة من المحركات الدافعة لبنية المجتمع العلمي. في الفصل الخامس والعشرين من الرواية، يستطيع كروزو تحرير أحد الأسرى من أيدي آكلي لحوم البشر ويجعله صديقه، لكنَّ الصلة بينهما تبدو كأنها علاقة رئيس ومرؤوس.

يصف كروزو اللحظات الأولى بينه وبين الرجل قائلا: "أحضرتُ الرجل إلى كهفي، وبعدما استطعنا أن نرتاح أخيرا، أعطيتُه بعض الطعام والماء، فكان في غاية العطش والجوع. وسألتُه ما اسمك؟ فأجابني بلغته. قلتُ له سوف أدعوك جمعة لأنني أنقذتُك في هذا اليوم، يوم الجمعة"! في الظاهر يبدو الأمر فكاهياً أن يطلق كروزو اسم اليوم الذي التقى فيه مع الأسير على الأسير ذاته، غير أن ديفو يحاول من هذا الموقف تبيان دور انكلترا الاستعماري في تلك الفترة من الزمن من خلال إضفاء هوية جديدة على البقع الجغرافية التي تسيطر عليها، وتحويلها لمقاطعات تابعة لها، فقد تعلم جمعة لغة كروزو وكان تابعاً له.

في نهاية الحكاية وبعد أن عصف الحنين والشوق بكروزو لوطنه قرر وجمعة مغادرة الجزيرة والعودة إلى انكلترا، وفي هذا الوقت يلتقي كروزو مع ثلاثة أسرى شاء القدر أن يرمي بهما على شاطئ الجزيرة، ويقول كروزو بعد تقديم المساعدة لاثنين منها كانا قد عزما على البقاء "أخبرتهما أن يجدا مخيمي، وكيف يحيا حياة طيبة على الجزيرة إذا عملا بجد واجتهاد، بدوا تعيسين عند رحيلي لكنهما على الأقل ظلَّا على قيد الحياة، قلت لهما: هذه الجزيرة جنة الآن وعليكما معاملتها على هذا الأساس". يمكن القول إن شخصية كروزو هي شخصية كولونيالية استطاع ديفو من خلالها تشريع وتأييد سطوع نجم الطبقة الوسطى أحد أذرع الرأسمالية، وإقناع القارئ أنك أنت أيضاً تستطيع أن تنجز أهدافك بجهدك الشخصي، والوصول إلى التميز والنجاح وأنك كفرد أصبح لك مكانة خاصة تصنعها بنفسك.



حول هذه القصة

المحامي والناشط الحقوقي البريطاني الذي سبق أن اعتقل في دولة الإمارات ديفد هيغ

قال المحامي والناشط الحقوقي البريطاني الذي سبق اعتقاله في الإمارات ديفيد هيغ إن القضاء الإماراتي غير مستقل ولا يوفر أبسط مقومات المحاكمة العادلة كما حصل مع الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز.

Published On 25/11/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة