ما الفرق بين المراجعات الفكرية عند السنّة والشيعة؟!

في زيارتي الوحيدة إلى إيران وتحديدا مدينة أصفهان (وهي من المدن الهامة في إيران ويبلغ عدد سكانها حوالي 5 مليون نسمة) لفت انتباهي شيء مهم أشار إلينا به دليلنا ومرافقنا الإيراني في هذه الرحلة لدى زيارتنا لمعلم تاريخي في المدينة يسمى "ساحة الإمام" وهو مركز تجاري مهم أيضا في المدينة، حين قال: "في هذه الساحة تقام صلاة الجمعة في المدينة". ولمّا سألته: "هل تقصد أن صلاة الجمعة لكامل المدينة؟" قال: "نعم هي صلاة واحدة وموحدة لكل المدينة"، وأخذنا إلى المستودع الذي توضع فيه كل التجهيزات اللازمة من أعمدة حديدية وأغطية مشمعة توضع كسقفية وسجاجيد لمدها على كامل مساحة الساحة الكبيرة جدا.

الفرق بين الخطاب الديني الشيعي والسني:

كل هذه الجموع يستمعون لخطاب واحد وتوجيه واحد، وإذا علمنا أن خطبة الجمعة لديهم ليست تقليدية كما هو الحال في مساجدنا وإنما هي خطبة توجيهية وتعبوية تخدم الأهداف السياسية العليا عندها ندرك لماذا وكيف نجحت إيران الشيعية في توظيف ذلك في زج أتباع المذهب لتنفيذ سياستها بكل حماس ورغبة واعتبار ذلك واجبا دينيا ملزما لكل مسلم شيعي حتى خارج حدودها الجغرافية وصولا إلى قلب العالم العربي. لقد حسم الشيعة الإمامية أمرهم وأغلقوا باب النقاش والتردد وحتى الاجتهاد في الدين أمام أتباعهم مهما علا شأنهم وذلك بإضفاء العصمة على أئمتهم الأحد عشر، أما الإمام الثاني عشر فلا يزال بزعمهم حيا ويتواصل مع شيعته عن طريق سفرائه الأربعة الذين باسمه يحللون ويحرمون ويشرعون.

بالمقابل نجد على امتداد الساحة السنية في العالم الإسلامي تشتتا واضحا في الخطاب، كأن تجد مثلا في مدينة صغيرة لا يتجاوز سكانها مئة ألف أكثر من ثلاثين مسجداً يقوم بالخطابة فيها شيوخ تقليديون غير مؤهلين أو متطفلون على المصلحة قرأوا بعض الكتب وحفظوا بعض الأحاديث يتداولون خطبا تقليدية المضمون والأداء فيخرج المصلي كما دخل لم يُضَف إلى فكره أي جديد، طبعا هذا إذا لم توزع عليهم خطب من دائرة الأوقاف تكرس هذا التوجه وتعززه مبتعدة بالمصلين عن كل مهم في السياسة أو الاجتماع.

السنة.. مدارس متعددة وتشتت فكري:
من المهم اعتراف المسلمين جميعهم على اختلاف امتداداتهم بمرجعية واحدة للأمة وضمان استقلالها عن التوظيف السياسي من قبل الجهات الحكومية وهو باعتقادي ما لم يتم حتى الآن

وتكاد السنة على امتداد الأمة تخلو تماما من مرجعية تحسم النقاش في أمر ما وتفصل في قضية سياسية أو فكرية أو اجتماعية مثل المرجعية الشيعية. فقد تعددت مدارسهم ومرجعياتهم التي بات معظمها أسيرا للأنظمة الفاسدة الساقطة التي فضحها الربيع العربي وعراها تماما وأظهر عجزها عن الفعل.

 

هذا فيما يخص المدارس الرسمية في شتى بقاع الأمة، أما ما يخص الجماعات الإسلامية والمتأسلمة على اختلاف مشاربها ومناهجها فهي أيضاً ليست أقل تشتتا من تلك المدارس فنرى كل جماعة أو فرقة التزمت فهما معيناً ومرجعية خاصة بها، والبعض منها أطلق يده في دماء المسلمين دون أن يرعى حرمتها أو يقبل المراجعة فيها مستنداً الى أقول وآراء المرجعية التي اختارها دون تمحيص أو تدقيق، وربما وهنا الكارثة الأفظع اجتزأ من النص سواء كان قرآنا أو حديثا أو رأيا فقهيا ما يتناسب مع توجهه ورغبته وكأن الفتوى عنده جاهزة ويبحث عما يؤيدها ولو بتجزيء النص أو بأخذ معناه العمومي الشامل دون البحث في تفصيلاته وأسبابه ومسبباته وظروف تشكيله.

وهذا ما عايشناه فعلاً خلال الثورة ودخول تنظيمات القاعدة على خط الثورة فارضة نفسها وأفكارها، ولن أنسى ما حييت ذلك الشاب اليافع الذي لم يتعدى السابعة عشر من عمره ولم يحصل حتى على الشهادة الإعدادية حين دخل علينا لأمر ما في موقع العمل فسأله أحد الحاضرين عن جثة وجدت في مكبات البلدة، فقال: "نعم هذه جثة فلان المرتد أقمنا عليه الحد وألقيناه هناك" فسألته: "وكيف عرفتم أنه مرتد؟ ولماذا لم تدفنوا الجثة؟" قال: "هو تارك للصلاة وحكمه كما قال قاضينا أن يقتل ولا يدفن ولا يصلى عليه ويلقى في مزابل المسلمين". عقدت ألستنا الدهشة ولم ننبس ببنت شفة، ولعلنا كنا نخاف أن يتهمنا هذا اليافع بالردة ويقيم علينا الحد بكل بساطة وسهولة.

حد الردة مثالا:

والحقيقة أن ما دعاني للكتابة في هذا الموضوع ما قرأته اليوم على صفحة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول الردة وعقوبتها وقد فند الكاتب "محمد البرزنجي" هذا الموضوع بشكل منهجي وعلمي واضح وخلص إلى أن الحكم بالقتل على المرتد مقرون بإعلان المرتد عصيانه للجماعة وانحيازه لحرابة الدولة والمجتمع، أما الردة لوحدها فعقوبتها أخروية بنص القرآن. لن أدخل في جدل حول هذا لأن الأمر تخصصي تماماً أتركه لأهل الاختصاص من العلماء الأفاضل مذكراً إياهم بأن هذا الفهم المخالف لما خلص إليه الكاتب كان سبباً لسفك دماء الكثير من المسلمين خلال العقود الأخيرة على أيدي التكفيريين الذين التزموه منهجاً عملياً للتخلص من كل مخالفيهم.

لكن يحضرني هنا تساؤل مهم: طالما أن الإسلام دين الله للبشرية جميعها إلى قيام الساعة فهل الأمة ملزمة حتما بآراء وفهم من سبق للنص القرآني والسنة النبوية أم أن هذا الأمر مفتوح إلى قيام الساعة لكل جيل بما يستطيع أن يضيفه من فهم واستنتاج متلائما مع متغيرات العصر وظروفه ومعطياته؟ ثم أين يكون هذا الأمر متاحا لعموم علماء الأمة في إعادة النظر وأين يجب أن يقفوا؟ هل كان مثلاً سيدنا أبو بكر الصديق ليقاتل المرتدين لولا أنهم شكلوا جيوشاً وتجهزوا لغزو المدينة المنورة؟ وهل كان منع الزكاة لوحده سببا لقتالهم واستباحة دمهم أم أن هناك مع منع الزكاة بوادر تمرد مسلح؟

صراع المرجعيات السنية والخروج من المأزق الفكري:

أدوات البحث المتوفرة الآن بفضل التقنيات المختلفة أصبحت توفر ظروفاً متميزة في البحث والمراجعة والتحقيق والمقارنة والفهم المجمل لكثير من القضايا والآراء على عكس ما كان متاحا مثلا لدى فقهاء الأمة في أزمنة متأخرة. لا أعتقد أن الأمر بحاجة إلى أكثر من لجنة متخصصة تضم خيرة الفقهاء والمتخصصين في شتى الجوانب الفقهية والشرعية والحياتية على اختلاف تشعباتها ثم البدء بإعادة النظر في الأمور الخلافية التي نتج وينتج عنها إباحة دماء المسلمين وغيرهم على أيدي أغرار الكثيرُ منهم لا يجيد الوضوء والصلاة فضلا عن أن يفتي في دماء المسلمين ويَشْرع في التنفيذ حالاً حتى لو اضطر إلى تفجير نفسه في تجمعاتهم وأماكن عبادتهم.

الخروج من هذا المأزق الفكري الحرج هو في دعم مرجعية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وتأمين الأجواء الحرة لعمله بعيدا عن أي ضغط سياسي وتوظيف يخل بدوره المهم
 

أعتقد أن مثل هذه اللجنة ربما تكون موجودة في معظم المدارس والمرجعيات الإسلامية السنية في غالبية الدول الإسلامية، وربما كان أشهرها مرجعية الأزهر في مصر والمرجعية السلفية التي تقودها السعودية وربما يأتي على رأس هذه المرجعيات باعتقادي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أرى فيه توجها فكرياً ناهضا وملهماً وواعداً للأمة على امتداد جغرافيتها.

 

لكن الأمر الأهم هو اعتراف المسلمين جميعهم على اختلاف امتداداتهم بمرجعية واحدة للأمة وضمان استقلالها عن التوظيف السياسي من قبل الجهات الحكومية وهو باعتقادي ما لم يتم حتى الآن، فقد سقط الأزهر واستقلاليته منذ حقبة عبد الناصر وازداد بعدا عن استقلاليته ودوره الرائد في العهود التالية لعبد الناصر حتى بلغ أوج انحرافه وتماهيه مع القيادة السياسية في الوقت الحاضر ولم يعد مقنعا للداخل المصري فضلا عن أن يتصدر المشهد الإسلامي، وما ينطبق على الأزهر ينطبق على المرجعية السلفية في السعودية التي تماهى علماؤها مع النظام الحاكم لدرجة أنه أصبح سخرية للقاصي والداني مضافاً الى ذلك سجله الحافل عبر عقود من دعم التوجه الوهابي الذي يتهمه البعض بأنه المصدر الرئيس والراعي الرسمي للحركات المتطرفة والإرهابية، وهذا ما ينطبق على كل المرجعيات المتعددة في مختلف الدول الإسلامية.

أعتقد أن الخروج من هذا المأزق الفكري الحرج هو في دعم مرجعية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وتأمين الأجواء الحرة لعمله بعيدا عن أي ضغط سياسي وتوظيف يخل بدوره المهم ليكون مصدرا لتصحيح المنهج الفكري وإعادة صياغته بما يضمن الفهم الصحيح ويؤسس لاستمرارية منضبطة للأجيال القادمة. ولذلك أرى أن المرجعية الشيعية لا زالت هي المرجعية الأكثر ثباتاً والأكثر تأثيراً على أتباعها ومن خلالها يتم توظيف طاقات الشيعة في مختلف مناطق تواجدهم في العالم الإسلامي لتنفيذ الأجندات السياسية لمركز المرجعية الأساسي إيران وأذرعها المختلفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومستقبلا حتى في الخليج العربي على حساب تشتت الأمة السنية وغياب دور المرجعية فيها واستلاب قرارها لصالح استمرار أنظمة القمع والفساد والقتل لتجهيل وتفقير وتخلف الأمة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قضت محكمة بغواتيمالا بسجن جندي سابق 5160 عاما فيما يتصل بمذبحة قتل فيها 171 شخصا وتعتبر واحدة من أسوأ الفظائع التي شهدتها البلاد خلال الحرب الأهلية التي استمرت 36 عاما.

الأكثر قراءة