في منهجية البناء.. "الدقيق يسبق الخبز"!

كافتتاح لهذا الموضوع نؤكد، إن الأولى أن نبني صورة جميلة للوطن في عيون أبنائه، قبل بنائها في ذهنية الآخر، وهو منهج لا زال العرب بعيدون عنه بسنوات ضوئية. أعزاءي القراء، إن بناء الدولة الاجتماعية، لا يمكن أن يستوي من خلال منهج التشبه وتقليد الدول التي سبقتنا إلى الديموقراطية في منشآتها التي تستهدف الرفاه. بل هذا البناء لا يمكن مُطلقاً أن يتحقق، إلا بمنهجية واضحة وهي: بناء الإنسان ببناء التعليم، وبناء رضى الإنسان ببناء العدل والصحة. ثم يأتي بعد ذلك الاشتغال على آليات الرفاه من قبيل TGV وغير ذلك.

إن الأولى للدولة أن تبني صورة جميلة للوطن في عيون أبنائه، قبل بنائها في دهنية الآخر، هذا الآخر الذي إذا تابعنا مسار نجاحه نجده ركز جهوده على التعليم والعدل والصحة قبل أن يرتقي إلى آليات الرفاه التي بناها على ذلك الأساس السليم، والتي تبهرنا إلى درجة سعينا لبناء مثلها على أساس هش، وهو بالضبط ما يعمق الحقد من المواطن (الرعية بمفهوم السلطة) اتجاه الوطن البريء. إن الاستقراء البسيط لتاريخ بناء الدول الحديثة البارزة اليوم على مستوى الاقتصاد العالمي كاليابان وسنغافورة وجنوب أفريقيا.. يوضح بالملموس ويؤكد القاعدة أعلاه. تلك القاعدة تُفيد أن كل تلك الدول بدون استثناء اشتغلت على الديموقراطية من خلال دعم المطلب الملح لشعوبها والمرتكز حول العدل في اقتسام الثروات عبر أساليب تدبير الدولة اقتصادياً واجتماعياً.

فقامت تلكم الدول بالرفع من ميزانيات التعليم، الضامن الأول لثقافة مواطنة وولاء حقيقي للدولة والوطن. ولاءٌ مبني على الاختيار أولا، وعلى القانون والعدالة والاحساس بالانتماء في الحق والواجب ثانياً. بالإضافة إلى جعل الدول هذه لهذا القانون سقفاً يعلو الكل دون استثناء ولا تمييز، بين من يسير شؤون الدولة ومن تعنيه شؤونها من مواطنين. إن تلك الدول عملت بالضبط على بناء مفهوم المواطنة كإحساس لدى الناشئة (جنوب أفريقيا مثلاً) وهو بناء اعتمد على المساواة في الحق والواجب بين الدولة والشعب. هذا الإحساس الصادق الذي شكل الدافع الوحيد والأساسي لدى كل فرد ليساهم من جانبه في الرقي بالبلد، اقتصادياً بالدرجة الأولى.

إن النظام إذ يربينا لتقديسه – ناهجاً سلوك العنف المادي والرمزي داخل الإدارات والمدارس والمعابد وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم – إذا هو بالمقابل يصنع داخلنا فِكراً عدائياً جاهلاً.

وها نحن نراها دولاً صعدت سلم الرقي والازدهار، منبهرين نحن بها محاولين تقليدها في الرفاه، دون أن نعي أننا تركنا القاعدة دون بناء. وإذ يهوي العلو الشاهق على وجه الأرض إذا ضعف أساسه، كذلك الأمر في كل شيء، فما بني على باطل فهو باطل. والخلاصة أننا لسنا في حاجة إلى قطار سريع في بلد يكاد يكون بطيء في كل شيء، تعليماً عدلاً وصحة. وفي نفس سياق البناء السليم للدولة، نستحضر نقطة نظام أخرى في نقد منهج هذا البناء القائم على التربية بالدرجة الأولى، واستحضارنا لهذه النقطة هو نتاج استقراء معاني الرفض الشعبي لبعض القرارات السياسية.

إن بعض من يستغربون بعض محاولات الاعتداء على بعض الممتلكات العامة خلال احتجاج التلاميذ على الساعة الإضافية المتعلقة بتثبيت التوقيت الصيفي داخل دولة ما مثلاً، يجب أن يعلموا جيداً أن ذلك الاعتداء نتاجناً جميعاً، كدولة أولاً ثم كشعب (آباء – أمهات – أقرباء – جيران..) فعندما نتخلى عن وظيفة التربية السليمة العادلة، لابد أن يكون رد الفعل العادي اتجاه الظلم، رفض ممزوج بظلم آخر ولو في مواجهة غير الظالم. إن الاعتداء في الغالب العام ليس اختياراُ مُمَنهَجاً من المحتج، بل ثقافة معبر عنها نتيجة القمع المرتفع النسبة داخل المجتمع، في مقابل انخفاض جداً كبير في نسبة التوعية. وعندما أقول التوعية بدل (الوعي) فإنني أؤكد على فكرة البداية، وهي المسؤولية التي نتحملها جميعاً اتجاه الناشئة، والتي تجعل من الوعي صنعة تنتقل عبر فعل التوعية.

ورداً على من يلصقون التهمة بالمدرسة كآلية، فإن الأمر يقتضي أن يعلموا بأن المدرسة كما قال ميشيل فوكو "لم تعد آلية للإصلاح، بل مؤسسة نظامية لإنتاج أشخاص وأفكار على مقاييس السلطة.." وهذا في حد ذاته عندما نعيش في مجتمع منغلق على ذاته. ليس بالمشكلة التي تهدد هذه السلطة في استمرارية آلياتها المثبتة للمصالح العليا للطبقة الحاكمة، إنما المشكلة الحقيقية هي التقاء منهجية التجهيل من داخل المدرسة، مع عنصر انفتاح المجتمع على الآخر البعيد، الذي يعيش الديموقراطية بالفعل الواعي ورد الفعل الواعي كذلك..

هنا بالضبط نستورد كمحتجين جاهلين مقموعين عنصر النزول إلى الشارع كما يفعل المحتجون في بلدان تحترم مواطنيها، لكننا خِلافاً لهؤلاء لا نحترم الملك العام ولا الخاص. بل يقودنا العبث حتى في الأمور التي لنا فعلاً فيها الحق للاحتجاج.. وسبب ذلك أن النظام إذ يربينا لتقديسه – ناهجاً سلوك العنف المادي والرمزي داخل الإدارات والمدارس والمعابد وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم – إذا هو بالمقابل يصنع داخلنا فِكراً عدائياً جاهلاً كلما التقى بمنفرج للخروج كانت الفوضى. إن المحتجين في البداية والنهاية رافضون.. وذلك من حقهم.. وعلى الدولة أن تتحمل بالإضافة إلى استجابتها لمطالبهم، عبء ما يفرز بالشارع العام من سلوكيات مرافقة لفعل الاحتجاج.. فكلكم راعي وكلكم مسؤول عن مواطني بلد يحكمه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

رحّب إبراهيم منير، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، في تصريحات خاصة للجزيرة نت بدعوة محمد البرادعي لتوحيد المعارضة، وأبدى استعداد الجماعة للتعاون مع أطياف المعارضة الوطنية لإنهاء الانقلاب.

الأكثر قراءة