عن خواءُ الروح.. وكيف نملأها؟

كم تمنيتُ وأنا على باب المرحلة الجامعية أن يأخذ أحدٌ بيديَ ليدلني على كل الطرق ثم يراقبني حين أختار. ولو أنه علمني ‏كيف ‏أختار (دون التدخل في ماذا أختار وإلا لكان عاش حياتي بدلا عني) لكان أعظم فعلِ يفعله لي. إنني وعلى أعتاب التخرج بتُ ‏أدرك أن ‏كلَ مولود يولد على الفطرة يُولد على الخواء. ومن ثَمَ فإنه يعيشُ ليُملأ أو ليمتلئ. إن استعدادنا لنُمْلأَ أو لنمتلئ هو تعبير عن ‏خواءنا. وإنه كلما زاد الخواء الذي يعترينا زادت قابليتنا لنملأ بكل ما هو موجود‎.‎

‎‎إنني أقولُ نُملأ لأعبر عن الذين هم حولنا والذين ينتظرون فرصتهم في فتح أفواهنا أو عقولنا لهم حتى يأخذوا مما يملأهم هم أنفسهم ‏فيدسونه فينا دسا دون وعي منا أو إدراك.. إنهم يملئونا بمعتقداتهم الخاصة -بتجاربهم الشخصية- بتحيزاتهم -بمعارفهم- وبكل شيء ‏من الممكن أن نُملأ به حتى أننا من الممكن أن نُملأَ بهم أنفسهم‎.‎ وأقولُ نَملأُ لأعبر عن إرادتنا في البحث -المعرفة- الإيمان والتصديق وبالتالي اختيار ما يدخلُ وما يخرجُ منا وبالتالي فإننا نملأ بما ‏نريد. وهذه المنزلة لا تكونُ إلا لنفر قليل إخطارهم الله لأننا في الغالب نُملأ ونحنُ مسلوبي الإرادة‎.

المهم في الأمر سواء كنا من الصنف الأول أو الثاني: أن فعلَ الامتلاء حادث وأنه ما كان ليحدث لو أننا لم نُولد على فطرة الخواء ‏فإنك إن ذهبت تملأ كوب ماء ممتلئ لفاض وتدفق ماءه. بطبيعة الحال نحنُ كبشر نمثلُ وعاء محدود الإمكانيات ومحدود الحيِز وإننا ‏كالكوب تماما. وإننا كبشر نختلف عن بعضنا البعض في القدرات والإمكانيات والرغبات والشغف. إننا -تقريبا- لا نتفقُ إلا في كوننا ‏وعاء. وإنه من الممكن ملئ كوب الماء بالعسل بدلا عن الماء دون أن يضر ذلك منظره ودون أن يتعطب الكوب أو يكسر. وإننا من ‏الممكن أن نملأه بالتراب فيصبح منظره غير مستساغ لدينا وفي المرة القادمة والتي نحتاجُ فيها إلى استخدام الكوب من اللازم غسله ‏أولا. فلهذا وُجُدت أوعية للتراب ووجد كوبُ الماء ووُجد كوب العسل‎.

إن خواءنا العقدي يجعلنا نبحثُ عن الله دون كلل أو ملل فإن وجدناه كان خيرا وإن لم نجده صرنا نبحثُ عن غيره‎. إن خواءنا الفكري وتعجلنا يجعلنا نتقلب بين الأفكار دون يقين بأيها يصلح أو أيها يفيد

وبطبيعة الحال قد يكونُ وجودُ العسل والماء في كوبِ واحد أمرٌ بديهي فلا تناقض بينهما إلى الحد الذي ينفي امتزاجهما. لكن نقطة ‏خلِ قد تفسد كوبا من العسل وتسيطر على الكوب دون دليل على وجودٍ للعسل قبلا. نحنُ نعودُ لنشبه الوعاء تماما في هذا. فإن بإمكاننا ‏تحمل بعض النقائض داخلنا سواء كانت أفكار أو حتى معارف من حولنا. ولكننا قد نصل إلى نقيضين (أو أكثر) فيعودُ إخراج أحدهما ‏واجبا لكي نهنأ بالعيش ولكن هيهات‎!‎

إن خواءنا الذي نُولد به هو ما يجعلنا نستبقُ الأحداث قبل وقوعها وهو ما يذكرني بالآية التي تقولُ "خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ". ‏إننا نستعجلُ امتلاءنا جدا فإنه حتى وإن لم نكن ممتلئين بالكلية فإنه لا بد لنا من وجودِ الحد الأدنى من الامتلاء الذي يجعلُ الواحد منا ‏قادرا على مواصلة المسير فإن كيسا فارغا لو تُرِك للريح فستحمله أنى شاءت وهو ما لا يتحمله الإنسان فإنه يريدُ دوما أن يشعر ‏بإرادته وبحريته في عمل الأشياء.. وإنه حتى بامتلائنا حد الكفاف فإنه يمكن أن نظل نبحث عن المزيد والمزيد. إننا دوما نبحثُ عن ‏الامتلاء حد التدفق. نعتنقُ الفكرة فنصير نبحثُ مزيدا عنها حتى نكون أعلم الناس بها. نختارُ الناس ونصير نبحث عن إرضاءهم ‏وحبهم حتى يصبح الواحد منهم كالأكسجين تماما لا طاقة لنا بفقدانه. إننا نظل نسترجي الله حد الكفاف الذي يجعلنا نستمر في هذا ‏الحياة. فحتى إذا أعطانا الله له تجاوزناه وصرنا نبحثُ عن حد الامتلاء فإنه لا يملأ عينُ ابن أدم إلا التراب‎.‎

إن السلام الداخلي الذي ننشده يكونُ في امتلاءنا بما هو موجود ثم مقدرتنا التامة على التعايش مع ما ملئنا به أنفسنا. ‎إن خواءنا العقدي يجعلنا نبحثُ عن الله دون كلل أو ملل فإن وجدناه كان خيرا وإن لم نجده صرنا نبحثُ عن غيره‎. إن خواءنا الفكري وتعجلنا يجعلنا نتقلب بين الأفكار دون يقين بأيها يصلح أو أيها يفيد‎..‎ إن خواءنا العاطفي وتعجلنا يجلعنا نتشبثُ بأول الأشخاص على القائمة صديق أو رفيق أو حتى حبيب. فإما وجدنا فيه ضالتنا أو ‏تركناه مكسوري الجناح نادمين ومقسمين على اللاعودة للناس والعلاقات. ثم ما نلبثُ أن يعترينا الخواء فنعودُ لنتشبث بأول ‏الأشخاص على القائمة الجديدة لتستمر السلسلة إلى ما لا نهاية أو حتى نهايتنا‎.‎

إنني كنتُ أتعجبُ جدا كيف يتحولُ المرء بين يوم وليلة من أشد الناس إيمانا إلى أشد الناس كفرا. حتى ابتلاني الله ذات مرة فعلمتُ ‏بعدها أني لم أكن ممتلئا كفاية بالإيمان وأن ما حولي كان يوهمني أني بخير حتى تغير ما حولي فتبدلتُ وعلمتُ أن من هنا نُؤتى‎! إنني وعلى أعتاب التخرج كنتُ أتمنى لو أن صراع الخواء والامتلاء كان مسبقا في سنين حياتي الأولى التي كانت بين لهو وأخر. ‏وإنني استطعت معرفة جواب: "بم يجبُ أن أمتلئ أصلا"؟ إن كان هو الحق بكل تأكيد. أو حتى سؤال "وإلى أي حدٍ يجبُ أن أمتلئ ‏بهذا؟" والكثير مما يتعلق بخواء الولادة الفطري والذي نولد به وتصبح حياتنا بحثا عما يملأه.

إننا نعيشُ بحقٍ كي نُملأ ونمتلئ ومن ثم نُحاسب على ما ملئنا به أنفسنا. نُحاسَب على ما أفنينا فيه أعماره ونحنُ نبحثُ عن الامتلاء. ‏نُحاسَب على أجسادنا التي تعبت والروح التي أُرهقت من البحث.. نُحاسب أيضا على كل امتلاء لم يكن كما يجب.. نُحاسب على ‏الفطرة التي وُلدنا بها كيف سمحنا لغيرنا بأن يفسدها؟ وكيف سمحنا للورقة البيضاء بأن تُملأ بالحبر الأسود عشوائية دون ترتيب أو ‏نظام؟ إنني على أعتاب التخرج وكلما ظننتُ أني قد مُلئت بما هو مناسب ظهر سيئة (أو ظهر أجود منه في الأحيان المشرقة) عدتُ باحثا من ‏جديد لاهثا عن معتقد أو أشخاص. إننا وفي كثير من الأحيان نقرر إيقاف كل هذا البحث والتعب ثم نعودُ لنتذكر (إن كان الله يحبنا) ‏الآية التي تقولُ "وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا"، وأعودُ لأتذكر ‏أننا في قليل من الأحيان نمتلأ بالقرآن.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انطلقت الدورة الأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، (20-29 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري)، وسط أزمات قد يصل بعضها للقضاء، مثل أزمة الملصق الدعائي، والغضب العارم لتكريم المخرج الفرنسي كلود ليلوش لزيارته إسرائيل.

الأكثر قراءة