رواية العمى.. عندما تدرك أن البصيرة أفضل من البصر!

تكاد تكون التحفة الروائية التي قام بتأليفها جوزيه ساراماغو الكاتب الأرجنيتيني هي الرواية الأفضل في العالم بل إنني أكاد أشعر بأنها لخصّت الحياة وكل الحياة في سطور قليلة مختصرة ضمن إطار درامي روائي يرتدي ثياب الشخصيات ويدخل حيز العصف الذهني. تم تصنيف رواية العمى من أفضل 50 رواية في التاريخ وتم إصدارها في عام 1995 ليتم تحويل الرواية إلى فيلم العمى باللغة الإنجليزية من إخراج فرناندو ميريليس ليبدأ تصوير الفيلم في شهر يوليو عام 2007 من بطولة كلا من مارك رافالو بدو وجوليان مور ويتم افتتاحه في عام 2008 خلال مهرجان كان السينمائي.

تتحدث الرواية عن طبيب عيون لديه عيادة خاصة يقوم بمراجعته إحدى الاشخاص الذي أصابه عمى مفاجئ في عيونه وصفه بأنه كبحر حليبي من البياض اللانهائي، ليذهب الطبيب إلى منزله بعد انتهاء الدوام ويصاب بالعمى أيضا خلال ساعات قليلة ليغرق بنفس البحر الذي وصفه المريض السابق، وتتوالى الأحداث ليصاب بالعمى كل شخص كان قد احتك بالطبيب أو المريض إلا زوجة الطبيب التي لا تصاب بالعمى لحين انتهاء الرواية ويبقى هذا سر يحتفظ فيه الكاتب حتى آخر الرواية.

 

تتطور الأحداث في الرواية لتقوم الدولة بحجر صحي لكل من أصاب بالعمى، وتبدأ هنا الأحداث الحقيقة لهذه الرواية بحيث يزداد الوضع مأساوية داخل الحجر ومع عدم تدخل الجيش الذي يحرس مكان الحجر الصحي تسيطر العصابات على ما تبقى من طعام ويبدأ الناس في الاقتتال فيما بينهم، لينقسموا إلى جماعات أحدها كان لديها رئيس عصابه يملك مسدس مما يجعل كل العنابر في الحجر الصحي تخضع لرغباته مما يذكرني في تجربة سجن ستاندفورد التي كان مفادها أن السلطة المطلقة تخرج أسوأ ما في النفس البشرية، بالإضافة إلى التنازلات التي يقدمها العميان في الحجر الصحي مقابل وجبة من الطعام، أو نصف الوجبة أحيانا.

تولد الرواية إدراك حقيقي للقارئ أن البصيرة هي قطعا أفضل من البصر على الرغم من أنها تكون حملا ثقيلا لو امتلكها المرء وحده بين مجموعة من عديمي البصيرة

تسلط الرواية أيضا الضوء على زوجة الطبيب التي أصرت من بداية الرواية على دخول الحجر الصحي مع زوجها وكذبت على الجيش مدّعية بأنها مصابة بالعمى، وإصرارها على دعم زوجها ومساعدته منذ دخولهم للحجر وعلى الرغم من معاملته الفظة معها أحيانا لأنه ضاق ذرعا بعجزه إلا أنها كانت تبتعد عنه بهدوء ليعود هو لها في كل مرة ويقدم اعتذاره لها. رواية العمى لمن يقرأها هي رواية خيالية ممتعة، ولكن لمن يدقق في أحداثها سيجد حتما أنها تتحدث عنا وعن مجتمعاتنا وعن حياتنا فالجزء الأول من الرواية يتتبع تجربة الشخصيات الأساسية عندما يتم احتجازهم في مبنى قذر، مزدحم مع بقية المصابين بالوباء، وقلة النظافة، الظروف المعيشية، وتدني المعايير الأخلاقية بشكل مروع خلال فترة فصيرة، كل ذلك يعكس طبيعة المجتمع في الخارج.

أما القلق على مدى توفر الغذاء، الناجم عن سوء تنظيم طرق التسليم؛ وعدم وجود نظام يكفل تساوي الأفراد في حصص الغذاء والمهام المطالبين بتنفيذها يولد محاولات زعزعة النظام وخلق أجواء النزاع داخل الحجر الصحي. كما أن الجنود الذين تم تكليفهم بحراسة المبنى والحرص على سلامة المحتجزين يصبحون عدائيين بشكل كبير عندما يصيبهم المرض واحداً تلو الآخر. يرفض الجيش السماح للمحتجزين بالحصول على أبسط الأدوية، مما يجعل أبسط الإصابات تصبح مميتة، وحذراً من إي محاولة هروب يقوم الجنود بإطلاق النار على حشد من المحتجزين الذين كانوا ينتظرون أثناء وقت تسليم المؤن الغذائية وكل ذلك يصف بصورة واضحة وجليّة ما نعيشه اليوم وفي كل يوم.

الرواية أيضا تولد إدراك حقيقي للقارئ أن البصيرة هي قطعا أفضل من البصر على الرغم من أنها تكون حملا ثقيلا لو امتلكها المرء وحده بين مجموعة من عديمي البصيرة ويتمثل هذا العبء بشخصية زوجة الطبيب والتي كانت المبصرة الوحيدة في الحجر الصحي وكانت تتمنى كثيرا لو أنها مصابة بالعمى كالجميع حتى تلقي عن كاهلها عبئ النظر الى الكوارث التي كانت تحصل أمامها، ليذكرني هذا بقول الشاعر محمود درويش: لستُ أعمى لأبصر ما تبصرون، فإنَّ البصيرةَ نورٌ يؤدِّي إلى عدمٍ أو جنون.

هذا العمل الروائي الرائع تم تحويله أيضا لعرض مسرحي اقيم في مدينة نيويورك وتم تحويله لأداء خاص بالمجموعة البولندية Teatr KTO وقام ساراماغو قبل وفاته بفترة قصيرة بإعطاء المؤلف الموسيقي الألماني Anno Schreier الحق بتأليف أوبرا استنادا إلى الرواية وكان عنوانها "Die Stadt der Blinden". وتم تقديم أول العروض في الثاني عشر من نوفمبر، عام 2011 في دار الأوبرا بزيوريخ.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قضت محكمة بغواتيمالا بسجن جندي سابق 5160 عاما فيما يتصل بمذبحة قتل فيها 171 شخصا وتعتبر واحدة من أسوأ الفظائع التي شهدتها البلاد خلال الحرب الأهلية التي استمرت 36 عاما.

الأكثر قراءة