"حلول ترقيعية".. التنمية البشرية بين الواقع والحلم!

ساقتني ظروف غامضة إلى حضور إحدى حصص "التنمية البشرية" حيث يلقي "المدرب" خطابه التحفيزي قاصّاً على الجمهور تجربته الذاتية، أو تجربة شخصيات ريادية عالمية. على كل حال، في معرض حديثه عن أسس النجاح كـ "فاعل في المجتمع المدني"، تحدث صديقنا عن أهمية استهداف "الأسباب" لدى معالجة قضية أو ظاهرة اجتماعية معينة وعدم الاكتفاء فقط بإيجاد حلول لـ "النتائج" المترتبة عنها، ورغم تقديري لما حمله كلامه من معاني الوعظ الأخلاقي والحث على استحضار "الخيرية" التي يفترض أن يتسم بها الإنسان، فقد وجدته ضائعاً في إعطاء إرشادات غير عملية لا تتناسب البتة مع طبيعة الضيوف الممثلين في طلبة الاقتصاد وتسيير المقاولات.

 

لذا كان حريّا في نظري اعتماد خطاب منطقي أكثر إقناعاً، فاستهداف "الأسباب" أي جذور المشكل، ليس دائماً أمراً ممكناً، إن من السهل اقتراح حلول دائمة لبعض الظواهر الاجتماعية، لكن تفعيلها يبقى منوطاً بتغيير منظومات اجتماعية بكليتها (ما يستغرق وقتاً طويلاً) وتوفير ميزانيات ضخمة، ما يحتم غالباً الاستكان إلى حلول سريعة، مؤقتة ورخيصة، أو كما يسميها البعض "حلول ترقيعية". ولنكون أكثر واقعية، فحتى فاعلو المجتمع المدني من جمعيات وغيرها، ليس من مصلحتهم وضع أو تبني مقاربات شمولية تقضي نهائياً على بعض المشاكل الاجتماعية القائمة، لأنهم في الحقيقة ينتفعون من بقائها وأحياناً يتعمدون تجزيئها لـ "مشكلات صغيرة" تدر عليهم أموالا إضافية من ممولي المشاريع التنموية محلياً ودولياً.

تبقى عناصر الفعالية، الكلفة والزمان، محددات رئيسية ومفصلية في سيرورة مشاريع التنمية البشرية، لكن الولوج إلى جميعها في نفس الوقت ليس متاحاً للأغلبية

المسألة هنا ليست اتخاذ قرار صائب يضع "تجاوز التحدي" مسعى أساسياً له، بل هي اختيار حكيم يروم بالدرجة الأولى الركوب فوق ظهور البسطاء لتحقيق الربح مع التخفيف قليلاً من معاناتهم بشكل يُقدّم صاحب المبادرة كبطل نبيل، وربما تتبلور هنا فكرة "المقاولة الاجتماعية". من جهة أخرى، فهذا الهوس الكبير لدى عدد الأشخاص بمجال "التنمية البشرية" أو الـ "كوتشينغ" ممارسة أو تلقُّنا، جعلت فئة كبيرة تقتحم الساحة دون توفر رصيد معرفي ومهارات تواصلية جيدة تخول لها إيصال المعلومة والتأثير إيجابا في الناس، فأصبح كل من هب ودب يريد تقديم حصص التنمية البشرية أو الذاتية طمعا في الاغتناء من الجهل السائد في كثير من الأوساط المجتمعية، حيث يجد هؤلاء من السهولة بما كان إبهار الخلق بشذرات من الكلام المنمق أو عبارات واقتباسات ذات بعد فلسفي عميق، هم أنفسهم لا يدركون فحواها، وإنما يستعرضونها فقط بعد حفظها عن ظهر قلب، لذلك تبقى أغلب تلك الحصص منقوصة من حوارات تفاعلية بين "المدرب" والحضور، وتطغى عليها صورة "الدرس الأكاديمي"، لنحصل في الأخير على دورات موسومة بالنقاش العقيم.

لا يفوتوني أيضا أن أشير إلى خطأ يرتكبه الكثير ممن يحاولون تصدير نماذج اجتماعية أو تعليمية أو اقتصادية أو سياسية إلى بلدان أخرى بعد أن ثبت نجاحها في البلد الأم، حيث ينسون أثناء إسقاطهم لتلك النماذج إلزامية تكييفها قبليا مع البيئة الجديدة، ما يستوجب القيام بدراسة معمقة لمعرفة مدى ملاءمة تلك المشاريع للسياقات السائدة في ذلك البلد، فالنتيجة أحيانا قد تكون عكس المتوقع تماما، حين يولد النموذج مثلا حالة من الصدمة الثقافية التي تناقض التوجهات الفكرية العامة، وهذا من شأنه أن يورث نوعا من الحقد تجاه أي نموذج مشابه حتى لو تم توليفه ليناسب المحيط، وبهذا يجني التسرع والتحمس لتطبيق نظرية ذات حمولة أيديولوجية ثقيلة على مجتمع غريب عنها، ودون اختبار تفاعلاتها أولا بتجارب تفيد في تحديد حجم وطبيعة تأثيرها، يجني ذلك صعوبة مستقبلية في تبني أي مشروع مماثل مهما بدا منطقيا أو ربما تتحول الصعوبة إلى حكم نهائي بالفشل المتواصل.

أريد في الختام أن أضرب مثلاً بسيطاً بفتاة تريد التخلص من الهالات السوداء أو بقع على الوجه، فهي ستقف حائرة أمام خيار إخفائها بمساحيق التجميل (حل سريع، مؤقت، ورخيص) أو اتباع علاج طبي بالأدوية (حل جذري، لكنه باهض الثمن ونتائجه بطيئة)، لذا تبقى عناصر الفعالية، الكلفة والزمان، محددات رئيسية ومفصلية في سيرورة مشاريع التنمية البشرية، لكن الولوج إلى جميعها في نفس الوقت ليس متاحاً للأغلبية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة