لماذا انتشرت بعض الخروقات الجنسية في المجتمع؟

blogs - تحرش

طالما تساءلت عن الدوافع التي تكمن وراء انتشار بعض الظواهر الشنيعة التي لها علاقة بالجنس في وطننا العربي، مثل الزنا والاغتصاب والتحرش وارتفاع نسبة مشاهدة الأفلام الإباحية.. ورغم أنني أدرك حساسية هذه المواضيع في ثقافتنا الاجتماعية إلا أنني أحبذ طرحها قصد معالجتها وإيجاد حلول لها بدل السكوت عنها الذي لا شك أنه أحد عوامل انتشارها، كما أنه من باب أولى سكوت عن منكر وإقرار بنفاق اجتماعي بات تغييره من اللازم علينا.

فهذه الظواهر من الأمور التي تعرف تطورا ملحوظا على مستوى صورها وأشكالها، فهل حقا أن دافعها مرتبط فقط بطبيعة الغريزة الجنسية الجياشة؟ أم لوجود الكبت الجنسي الذي فرضته ظروف اجتماعية واقتصادية ودينية؟ أم لغياب تدريس التربية الجنسية في العالم العربي وإسناد القيام بها للأوساط الشعبية المهمشة؟ أم لامتداد النظرية التي تقول بإعلاء صوت الغريزة على صوت العقل واستحكامها في مجتمعاتنا؟ أم لاختلاط الجنسين غير المنضبط والحضور النسوي المكثف في مراكز الشغل والتعليم ووسائل النقل والأماكن العامة الشيء الذي ربما يلاقي الرجل العربي صعوبة في التأقلم معه نظرا لحدوث عهده به مقارنة بالرجل الغربي مثلا.

 

فلتجاوزه هذا الأمر يحتاج أن يقطع في كنفه أشواطا لا تسأل عن وضعه المزري الذي يمر به في كل المحطات؟ أم للإغراء الغير المباشر الذي تمارسه النساء بوعي أو بلا وعي في الأوساط العامة الذي يعتبر تحرشا بالرجل قبل أن يبادر بردة فعل لا تقل قوة وتأثيرا عن سابقتها؟ أم للرسائل المغلوطة التي يفهمها الجنسان من بعضهما عبر اللباس ربما أو بعض الحركات؟ أم لاعتبار البعض أن هذه الأمور لا تنافي الأخلاق بل هي حق مشروع لكل مقبل عليها، لأنها لا تعدو أن تكون تعبيرا عن حاجات الفرد ورغباته؟ أم للتحريف البشع الذي طرأ على الزواج كبديل أمثل وحل أفضل؟ أم لضمور الوازع الديني والأخلاقي الذي يجتث كل هذه الأمور من أصلها؟ أم للأمر علاقة بالتربية والتنشئة الاجتماعية فحسب؟ أم لسطوة النظرة الأحادية التجسيدية التي تعلي من شأن جسد المرأة على حساب اعتباراتها الجوهرية الأخرى؛ من أنها روح قبل أن تكون جسدا وما يغذي هذا الاتجاه من كونها أما ثم بنتا ثم أختا ثم سائر المحارم؟

ل سلوك إنساني إنما هو أسير تصورات صاحبه، فما تزرعه في فكرك ستحصده في سلوكك لا محالة، حتى في علم النفس يفسرون كل سلوك على أنه استجابة لمنبه داخلي/خارجي

في الحقيقة يصعب الحسم في تحديد الباعث الأساسي من بين هذه التساؤلات المطروحة، لذلك لا مانع من اعتبار كل منها باعثا على هذه الظواهر الانحرافية، بيد أنها لا شك مختلفة في رتبتها ونسبة قوة تأثيرها، وسأصطفي أهمها وأفصل فيه علني أهتدي من خلاله لحل مناسب للخروج من ضنك هذه الأزمات الاجتماعية.

1- ضمور الوازع الديني والأخلاقي:

لا شك أن كل سلوك إنساني إنما هو أسير تصورات صاحبه، فما تزرعه في فكرك ستحصده في سلوكك لا محالة، حتى في علم النفس يفسرون كل سلوك على أنه استجابة لمنبه داخلي/خارجي، وبالتالي فإن الوازع الديني والأخلاقي الذي يضمن التصور الإيجابي للفرد ويصاحبه في كل آن ومكان.. إذا ما كان حاضرا بقوة فلن يعرف المجتمع مثل هذه الظواهر، لأنه يصور للفرد شهوته الجنسية التي من وراء هذه المشاكل كلها إنما هي نعمة من الله الذي خلقه، هو من وهبه إياها ليتمتع بها في موضعها الشرعي الذي أراده له تكريما واختبارا له في الآن نفسه، لا أن يصرفها في شيء آخر خارج هذا الموضع المحدد، فإذا لم يكن باستطاعته ذلك ما عليه إلا أن يمسك زمام نفسه محتسبا المثوبة عند بارئه مباشرا أسباب الاستطاعة، وهكذا يأتي سلوك الفرد على وفق تصوره السليم، ولا يتجرأ أبدا على خوض غمرة تلك الرذائل، أما أثناء ضمور هذا الوازع فيصبح تصور الفرد إمعيا فاقدا للنضج والحكمة الرشيدة، فيأتي سلوكه كله تهور على وفق هذا التصور السقيم أيضا.

2- التنشئة الاجتماعية:

إن التربية والتنشئة الاجتماعية لا تقل أهمية عن هذا السابق، إذ هي المرحلة الحاسمة التي يتعلق بها وجوده وعدمه، فإذا ما كانت تنشئة إيجابية ستحتضنه ولن تفرط فيه، على عكس ما إذا كانت سلبية فلن تعيره أدنى اهتمام، وهذا يدل بوضوح على مدى حساسية المرحلة وضرورة سلامتها، فهي باختصار تأطير عام للفرد على مدى حياته كلها، والنتيجة في الغالب إنما هي من جنس هذا التأطير، لأن كل إنسان في نهاية المطاف إنما هو ابن بيئته، وكما يقول كارل ماركس: ليس فكر الإنسان هو الذي يعين وجوده وإنما وجوده هو الذي يعين فكره، ولا ننسى أيضا المقولة الشعبية القائلة: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. وإعراض أسرتنا العربية اليوم عن تأطير أبنائها تأطيرا جنسيا فاضلا مبنيا على مبادئها الإسلامية الرفيعة هو في الحقيقة إعراض يفسح المجال لأشياء أخرى تقوم بهذا الدور؛ أدناها ما تلقنه الناشئة في أحيائها الشعبية من كبار أبناء جنسها المنحرفين، وأقصاها ما تتصفحه بيدها من تلك المواقع الإباحية الخلعة التي ذاعت شهرتها بينهم.

النظرة الأحادية للمرأة لم تقتصر على الجانب الذكوري فقط، بل تعدت إلى المرأة ذاتها، فلم تعد ترى في نفسها إلا جسدها الذي فتنها فأفتنت به غيرها
النظرة الأحادية للمرأة لم تقتصر على الجانب الذكوري فقط، بل تعدت إلى المرأة ذاتها، فلم تعد ترى في نفسها إلا جسدها الذي فتنها فأفتنت به غيرها
 
3- النظرة الأحادية للمرأة:

هذا الفيروس الفتاك لا أعلم من أين تولد وكيف؟ هل من التنشئة الاجتماعية السيئة؟ أم من الحملات المادية الجارفة؟ أم من الإعلام العالمي الذي يصور لنا المرأة كأنها جسد بلا روح؟ المهم أن المؤكد لدينا أنه موجود بيننا وبقوة، لدرجة أن تصير المرأة في ظله شهوة تمشي برجليها على الأرض! ولعل الغيرة التي ما زال العربي يتسم بها هي الدواء المناسب لعلاج هذا الداء العضال، خصوصا إذا ما وجدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القصة المشهورة قد عالج بها شابا عليلا جاءه يستأذنه في الزنا، فسأله -صلى الله عليه وسلم- قائلا: أتحبه لأمك؟ أفتحبه لابنتك؟ أفتحبه لأختك؟ أفتحبه لعمتك؟ أفتحبه لخالتك؟ فكان جواب الصحابي عن كل الأسئلة: لا، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: كذلك كل الناس لا يحبونه لمحارمهم. فلم ينس الفتى العليل هذا الدرس النبوي البليغ مدى حياته، ولم يكن شيء بعد ذلك اليوم أبغض إليه مما جاء يستأذن فيه.

والغريب المؤسف أن هذه النظرة لم تقتصر على الجانب الذكوري فقط، بل تعدت إلى المرأة ذاتها، فلم تعد ترى في نفسها إلا جسدها الذي فتنها فأفتنت به غيرها، وكأنها لم تدرك بعد أن جسدها هذا ليس في ملكيتها الحقيقية لكي تتصرف فيه على وفق هواها، وإنما هو ملك لبارئها الذي أودعه إياها في تلك الحلة البارعة حسنا وجمالا، فإذا ما حل أجل الوديعة فلن تستأخر ساعة ولن تستقدم. فهذه البواعث الثلاث في نظري هي الأكثر تأثيرا في هذه الظواهر، فإذا ما نجحنا في إخماد نارها الملتهبة وإشعال فتيل نقيضها المنخمدة فإننا أكيد سنخرج من مستنقعات هذه الظواهر الآسنة.