شعار قسم مدونات

كيف أتعامل مع الآيات القرآنية التي أجدها غير مقنعة؟

blogs قرآن رمضان

تحدثت في تدوينة سابقة عما تثيره آيات الحور العين من شبهات ذكورية القرآن، والآن أتابع الإجابة عن السؤال: كيف أتعامل كمسلم مع الآيات التي تبدو لي غير مقنعة؟

 

القرآن ليس كتابا عاديا:

القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يبدأ بتقرير مزلزل: "ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ"! إعلان لا يجرؤ أي مؤلف على ذكره في مقدمة كتابه، إعلان يقر بأن هذا الكتاب كامل محكم لا خطأ فيه، في حين تبدأ الكتب عادة باعتذار مؤلفها مسبقا عن الخطأ. ومع ذلك لا نزال نحن المسلمين أحيانا نتعامل مع القرآن كما لو أنه كان كتابا عاديا، نقرأه بعين الناقد ونقف عن كل كلمة لا تعجبنا لنطرح التساؤلات! وهذه الحالة لا تقتصر على قضايا المرأة شديدة الجدل فحسب، بل تنسحب على كل ما ورد في القرآن من آيات الأحكام التي نظن أنها لا تناسب عصرنا أو تتناقض مع ما نعتقد أنه الصواب!

هذا الموقف المسبق من القرآن على أنه كتاب قابل للنقد يبدو مفهوما من قبل غير المسلم، ولكنه يتحول إلى سوء أدب مع الله لو صدر من مؤمن مسلم يدعي أنه من أمة محمد، ومع ذلك فقد وقع الكثير منا في هذا الخطأ وتملكتنا الشكوك حول بعض الآيات التي تُطرح كشبهات لمهاجمة الإسلام، فكيف يمكننا التعامل مع ذلك؟

كيف نقرأ القرآن كما يريد الله لنا أن نقرأه؟
نحن كمؤمنين نعرف أن الوصول إلى صحة القرآن ككتاب من عند الله هو نهاية طريق إعمال العقل في هذا الإعجاز، فإذا توصلتَ كمؤمن إلى هذه النتيجة تستطيع أن تنتقل الآن إلى قراءة الآيات الأخرى بعين مختلفة

حتى نعرف كيف نتعامل مع القرآن علينا أن نقرأه كما يريد لنا قائله سبحانه أن نقرأه، حيث تقع آيات القرآن في خمسة أصناف:

1– آيات المحاججة: التي يتحدث فيها سبحانه عن خلقه للسماوات والأرض والبحر والنجوم وغيرها من الظواهر الكونية ويخاطب بها الناس أجمعين بمؤمنيهم وكفارهم، تبدأ هذه الآيات غالبا على هيئة حوار مباشر أو أسئلة استنكارية موجهة للإنسان تحثه على التفكير وإعمال عقله في الحجج الواردة فيها وتنتهي بجمل تقريرية تقول بأن من سيؤمن هم العاقلون أصحاب الألباب!

هنا فقط، وفي هذه الآيات فقط نُؤمر بإعمال العقل وملاحقة الشكوك وطرح الأسئلة، لأن القرآن هنا يستفز العقل ويتحداه ويطلب منه المحاكمة صراحة وبدون مواربة. ونحن كمؤمنين نعرف أن الوصول إلى صحة القرآن ككتاب من عند الله هو نهاية طريق إعمال العقل في هذا الإعجاز، فإذا توصلتَ كمؤمن إلى هذه النتيجة تستطيع أن تنتقل الآن إلى قراءة الآيات الأخرى بعين مختلفة، بعين المؤمن المسلِّم، لا بعين الناقد المتشكك، فمن المفترض أنك قد أقررت بصحة القرآن وبالتالي صار الإيمان بكل ما يأتي فيه من آيات أخرى نتيجة منطقية وطبيعية لاحقة.

2- آيات القصص: وهي الصنف الثاني الذي تتوجب قراءته بتلك العين المسلِّمة لأخذ العبرة من قصص الأولين.

3- آيات الغيب: التي تخاطب المؤمنين حصرا وتخبرهم بالغيب من ملائكة وجن ويوم آخر وتعدهم بالعاقبة الحسنى وتنذر الكفار بالعقاب. ورغم وقوع كل هذه الآيات في الغيب المطلق إلا أننا كمؤمنين لا نجد بدا من تصديقها لأننا توصلنا إلى صحة المصدر ككل وفق محاكمتنا العقلية الأولى.

4- الآيات المتشابهات: التي قال عنها سبحانه: منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. أي أننا مأمورون صراحة بعدم البحث في شأن هذه الآيات من قائل الكتاب نفسه، لذا نسكت عنها ونقول كما أمرنا: آمنا به كل من عند ربنا.

5- آيات الأحكام: وهي التي يقع الكثير منا في الخطأ عند التعامل معها، فقد خصها الله للمؤمنين به فقط، أولئك الذين قرأوا حجج القرآن وإعجازه ثم سلموا بأنه من عند خالقهم. هي آيات تبتدأ غالبا بـ" يا أيها الذين آمنوا" وتأتي في سياق خطاب مباشر للمؤمنين الذي يقولون سمعا وطاعة بدون جدال بدون تأفف وبدون تشكك! ومن الأدب مع أي كتاب قراءته وفق تعليمات الكاتب نفسه، لكن الكثير من المسلمين يقفزون في محاكماتهم العقلية فورا لآيات الأحكام ليبحثوا عن أدلة صحة الإسلام فيها، عما يقنعهم وما لا يقنعهم، في حين يتجاهلون التفكر في الآيات التي دعوا صراحة إلى التفكر فيها. الكثيرون يبحثون عن حكمة الله في تشريع الحج أو يستاؤون من أحكام القصاص أو تعدد الزوجات أو الجهاد، على الرغم من أن واجبهم كمؤمنين هو التسليم الكامل الذي يوجبه الإقرار بصحة القرآن ابتداء.

ما الذي يجعل آيات الأحكام غير قابلة للمحاكمة العقلية؟

فلنقل أننا جميعا ارتكبنا هذا الخطأ يوما ما، وبعض النساء يقفن عند الآيات المتعلقة بشؤونهن شاعرات بالغبن أحيانا، ويتسلل إلى قلوبهن الشك لأنهن يرين هذه الآيات غير متوافقة مع ما يروج له على أنه الصواب، ولكن هناك فرقين جوهريين يجعلان آيات الأحكام خلافا لآيات المحاججة غير قابلة للمحاكمة العقلية نهائيا:

1- ففي حين يكون الخطاب في آيات المحاججة موجها للفرد الواحد بذاته، لعقله وتفكيره المنطقي ليكون كل ما ذكر من سنن كونية حجة عليه، يكون الخطاب في آيات الأحكام موجها لا للفرد الواحد وإنما للإنسان كجزء من منظومة، للإنسان كمفهوم، كمخلوق قديم ممتد عبر كل العصور والأمكنة والأزمنة. أُخطأ حين أعتقد أن الحكم الذي ورد في الآية الفلانية يخصني أنا كفرد واحد، ويجب أن أقيسه على نفسي وحدي! أحكام مثل الميراث وقطع الطريق وتحريم الخمر لا يتوجب عليها التلاؤم معي كفرد أعيش في زمان ومكان محددين كونوا مشاعري وتفكيري وذوقي وما أقبله وما لا أقبله، بل هي آيات تتناسب مع مفهوم الإنسان الشامل، إنسان كل زمان ومكان مهما كانت ظروفه ومتغيرات حياته، والذي يشملني بمظلته الواسعة مهما كانت قناعاتي العقلية المتعلقة بظرفي الحالي، لذا لا يمكن أن أشطب من القرآن ما لا يناسبني كفرد الآن وهنا، بل يجب باختصار إنحاء العامل الشخصي في هذه المحاكمة.

يهلع المسلمون لشعورهم بالانهزام أمام أي اتهام من قبل ثقافة أخرى لدينهم، على الرغم من أن مثاليات تلك الثقافات تتناقض بشكل صارخ مع واقعها المعاش
يهلع المسلمون لشعورهم بالانهزام أمام أي اتهام من قبل ثقافة أخرى لدينهم، على الرغم من أن مثاليات تلك الثقافات تتناقض بشكل صارخ مع واقعها المعاش
 

2- العامل الآخر الذي يجب إنحاؤه هو العامل العقلي نفسه، فبخلاف آيات المحاججة تكون آيات الأحكام ليست موجهة لعقل الإنسان فقط بل للإنسان ككل بكل تجلياته العقلية والشعورية والغريزية. فالعقل يُعمل في الأمور الثابتة القابلة للقياس التي لا يُختلف عليها بين البشر، أما شؤون الحياة التي تنظمها آيات الأحكام فهي غير قابلة للقياس العقلي وغير متفق عليها في أي زمان ومكان، بدليل تعدد الشرائع الوضعية لأن مقاييس الخطأ والصواب تتغير بتغير ثقافات البشر وتراكمهم المعرفي، أما القرآن فهو الكلام الحسم الصادر عن خالق البشر في كل أمر لا يستطيع العقل حسمه. والعقل المتغير بتغير ثوابته الأخلاقية والعلمية والفلسفية حسب معطيات الزمن الذي يعيش فيه، بل بين شقيقين في نفس الأسرة، لا يمكن أن يكون مرجعا للحكم على أمور غير قابلة للجزم بها، كما أن المرجع المتغير لا يقاس عليه ثابت كالنص القرآني!

والعقل يتغير ولكن الطبيعة البشرية ثابتة، إن مشاعر الحب والكراهية والخوف والغضب والأبوة وكل الأمور الفطرية الأخرى التي تؤثر التأثير الأقوى في السلوك لم تتغير منذ بدء الخليقة، فإنسان العصر الحجري يحب ويكره ويخاف ويحس نحو أبنائه بذات الطريقة التي يشعر بها الإنسان المتحضر الآن، وهذا هو سر صلاح الأحكام لكل زمان ومكان، لأنها تتعلق بطبيعة البشر أنفسهم، بنفوسهم وعواطفهم وغرائزهم الثابتة التي لا يمكن تغييرها مهما تبنى العقل من أفكار مناقضة لها، ولذا حين يخذلنا العقل تسعفنا الغريزة غالبا في فهم ما لم تستطع عقولنا فهمه.

ماذا أفعل لمواجهة التشكيك في القرآن؟

يهلع المسلمون لشعورهم بالانهزام أمام أي اتهام من قبل ثقافة أخرى لدينهم، على الرغم من أن مثاليات تلك الثقافات تتناقض بشكل صارخ مع واقعها المعاش. فمن يرفض التعدد عليه أن يجرم الانفلات الجنسي، ومن يستنكر أحكام القصاص "الوحشية" عليه أن يكف عن صناعة وتصدير الأسلحة الفتاكة، ومن يعتبر تحريم الخمر تعدٍ على الحريات عليه أن يلتفت إلى الآثار الصحية والمجتمعية المدمرة له، ومن ينكر علينا قبولنا بهذه الآيات سنخبره أنها موجهة لنا فقط كمؤمنين وأن الأمر لا يعنيه ولم يخاطبه الله به، وإن أراد أن ينتقد القرآن عليه أولا أن يواجه الآيات التي تتحداه كغير مؤمن وأن يفند حججها لو استطاع. أمر آخر أكثر أهمية من مواجهة هؤلاء هو مواجهة المسلمين أنفسهم الذين يستغلون آيات الكتاب الكريم لخلق خطاب عدائي تجاه النساء مثلا عن سوء فهم أو لاتباع هوى مما يشرخ المجتمع ويفتن المسلمين عن الدين فيكونون بذلك أضر على الإسلام الذي يؤمنون به من أعدائه الصريحين أنفسهم.