شعار قسم مدونات

بين شَطّة وبيكا.. الصراع الأكبر في المنطقة!

BLOGS شطة وبيكا

بدأ هذا الصراع كما تبدأ أيّ حربٍ بين جيشين، سوء تفاهمٍ، فشرارةٌ أولى، فتصادمٌ وتناحر، صراعٌ بين مجدي شطة الذي يمثل أغنية الطرب الملتزمة، وحمو بيكا الذي اتهمه شطة نفسه أنه تابع لتيار المهرجانات المتمرّد، رفع الاثنان لواءَ التحدي، ولم يرفض شطة أن يُحدّد خصمه بيكا مكان القتال في بلد من اختياره، فهو على حد قوله متواضع ومن تواضع إلى الله رفعه.

 

انفجر التحدي الأكبر بينهما حين حَضَّر بيكا لحفلةٍ مجانية، وبتكرّمِ الفنانين أرسل دعوةً إلى شطة للمشاركة فيها، اعتبر شطة أن الدعوة إلى حفل شعبي كهذا هو انتقاصٌ من مكانته الفنية المزاحمة لكبار فناني الطرب، فرفض الحضور، وقال أنه مشغولٌ في القاهرة بلد الفن والإبداع، ردّ بيكا أن الحفلة ستُقام في موعدها المحدّد بدون شطّة ولا كَمّون، وأنّه غير معروف أصلاً في الساحة الفنية المصرية، وهذا ما أغاظ شطة فنعتَ الناطق الرسمي للسيد بيكا بالكلب، واعتذر بيكا لجماهيره بعد ذلك فألغى الحفلة لأسبابٍ أمنيةٍ محضة على حدّ قوله، ليردّ شطة بيه بكلمة زلزلت أركان الفن المصري برُمّته: "حذَاري".

إنه فعلا ً صراعٌ مثيرٌ بين قوتين جبّارتين ساذجتين، شطة عاشقُ الطرب، وبيكا فنانُ المهرجانات الأوّل، صراعٌ يعكس تسوّس أركان المجتمع العربي من الداخل، والكثير من الفوضى اللاّخلاقة التي يجد فيها اليائسون ملاذاً لهم حين تضيعُ حقوقُهم أمام أعينهم فلا يستطيعون أن يُحرّكوا كرسيّاً من مكانه، فقضية شطّة وبيكا على الأقل تجد فيها جانباً من التشويق والإثارة نفتقدهُ في أمور حياتنا الروتينية، المتشبّعة بالنفاق والنمطيّة، فالضحك على الذقون بات على مرأى ومسمع، والتهكّم له مجالس فسيحة لا يدخلها سوى أصحاب البِدَل الأنيقة، والجوع أصبح كذبةً يتبجّح بها الجائعون، والفقر لا وجود له إلا في أذهان المتعجرفين، والرّعب ما هو إلا فيلم سينمائي نستأنس به ونحن نُلفّ بأغطيةٍ دافئةٍ في العراء البارد، والظلم هو عدلٌ وضّاح لا يراه أصحاب قِصر النظر، والنهب سياسةٌ راقيةٌ لا يُجيدها سوى أذكياء السياسة، والاستبدادُ ليس استبداداً يا أيها الذين لا تعرفون مصالحكم كيف تُدبَّر، الاستبدادُ إيحاءٌ بالتضحية، فضحّوا ثم ضحوا قبل أن يُضحى بكم بدل أضحيات العيد، فمصلحتُكم في صمتكم، ومستقبلُكم في حِرمانكم، وتعلّمكم في جهلكم وأميّتكم، ونجاحكم في نجاح سيّدكم ورئيسكم، إذا أردتم النهوض ستَجلسون بالسياط، وإذا أردتم الوقوف ستُقيّدون بالحبال، وإذا أردتم العمل ستُكبّلون بالسلاسل والأغلال وتُلْقَون على ظهوركم مستريحين، فهل هناك راحة بعد هذه؟

إن كان هناك من صراعٍ مثيرٍ بين شطة وبيكا فعلينا الوقوف له احتراما، مع "تعظيم سلام"، فهو صراعٌ بين بؤسين متمخضين من رحم الحقيقة المرّة، بين تفاهةٍ فادحة، وأخرى أفدح منها

هكذا فهِم كل من شطّة وبيكا القصة على حقيقتها، فابتعدا من كل هذا الهُراء الذي يُسمى فنّاً راقياً ودخلا غماراً مربحاً يُدعى التفاهة في أعلى مستوياتها، وجمهورهما بالملايين، هم ضحايا مكائد من قَبيلِ ما قُلنا، قد يُغمى عليهم من وَحي ما تلتقطهُ الأذن من معانيَ رَوْحانية سامية، تُحلّق بهم في عوالم ملهمة تَخرجُ كالبلسم من حنجرة شطة وبيكة، فهل تريدون إبداعاً أكثر من هذا الإبداع؟ إذن لماذا لا يخرجان لنا بمثلِ هذا الفن الصادق المُنبعث من القلب، المُتدفّق من عُمق المعاناة وصُلب الحقيقة المعاشة، من دقائق الواقع اليوميِّ المرير، فهذا حقّهما، ثم إن كليهما يُبدع في المواويل التي "بتولّع الدنيا" وتُسعد الخلق.

 

فهل تريدون طرباً يطير بكم إلى الأعالي في زمنٍ ينزل بكم إلى المستنقعات، هل تريدون طرباً يُظهر لكم الواقع مزهراً في أرضٍ جدباءَ لم تعشْ قطرة ماءٍ واحدة، هل تُريدون أن يتغنّى الطرب بحبيبين يتبادلان بينهما كلمات الحب والهُيام على مسافةٍ بعيدة وهما لا يملكان أصلاً درهماً واحداً في الجيب، فضلاً عن هاتفٍ ذكي يستعملانه لهذا الغرض، هل تريدون منهما أن يُقلّدا هاني شاكر مثلا في أغنيته التي لا تخدمُ الدولة في شيء ولا تتقرّب منها شبراً واحداً:

 

"يا أصيلة يا بلدي يا ستّ الحُسن، يا بلد النور والدّفا والحُضن"، في حين أن مجدي شطة لخّص المسرحية برمّتها حين قال في أغنيته العبقرية الجديدة "يا مُرشدين مَلْكُمش أمان"، هل تريدون من شطّة وبيكا أن يتغنى كل منهما بنِعم الحق والعدل والمواساة، ومبادئ الديمقراطية والمساواة، ومُثُل التضحيات الجِسام في سبيل تراب الوطن الغالي؟ وقد عاش الاثنان ريعانَ الشباب في مواسير الصرف الصحي يعدّان الفئران الداخلة والخارجة منها، ويلحقان بسائق التوك توك ليتكرّم عليهما ببعض البقشيش، ولو لم يكنْ شطة وبيكا من أصحاب الفنٍّ النقي، لما حُرّر محضرٌ بوليسي ضد أحدهما بتهمة تلويث الذوق العام!

إن كان هناك من صراعٍ مثيرٍ بين شطة وبيكا فعلينا الوقوف له احتراما، مع "تعظيم سلام"، فهو صراعٌ بين بؤسين متمخضين من رحم الحقيقة المرّة، بين تفاهةٍ فادحة، وأخرى أفدح منها، في واقعٍ عشوائي عام أصبح فيه ترويض الشعوب العربية العنوان الأبرز في المنطقة.