شعار قسم مدونات

متى يتوقف بناء المساجد؟

blogs - islam

أبدأ بتساؤل استفزازي: هل ما زلنا نحتاج إلى مساجد في عالمنا العربي الإسلامي الشرق أوسطي المعاصر؟ السؤال الاستفزازي لا يتعامل نهائيا مع الاحتياج الكمي للمساجد، ولكنه يثير قضية الاحتياج بأبعادها الفكرية والفلسفية والعقيدية ثم أيضا المعمارية والعمرانية. إذن هذا التساؤل منطلقه الجوهري يبحث في قيمة المساجد في التركيب الفكري والإنساني وفي النسيج العمراني والاجتماعي المعاصر للمدينة والمجتمع العربي الإسلامي الشرق أوسطي.

 

إن الدور الحقيقي للمسجد أنه ملتقى روحاني اجتماعي ثقافي مرحب بالمجتمع ومنفتح على الحياة ومؤثر بعمق في إثراء النفوس روحانيا وعقيديا وإنسانيا واجتماعيا. من تحليل السياقات المعاصرة لمدننا الشرق أوسطية، نلاحظ التضاؤل الشديد بل وأحيانا الإجهاض الكامل لهذه الأدوار فيما نرصده حولنا من مساجد متعددة الأحجام والأشكال ومستويات الإنفاق بل وأحيانا الإسراف. لقد تحول المسجد المعاصر تدريجيا إلى كيان مغلق منفصل عن المجتمع والحياة، عديم الفعالية إلا فقط في دقائق معدودة تقام فيها الصلوات ثم تطفئ الأنوار وتغلق الأبواب. بعض المساجد أكثر حظا لأن حجمها وموقعها يحولها إلى جوامع كبيرة تستضيف إقامة صلاة الجمعة وبالتالي يمتد الحيز الزمني نسبيا لاستخدام فضاءات المسجد.

الواضح والجلي هنا أننا أصبحنا جميعا نخاف من مواجهة حقيقة واقع حالة المسجد المعاصرة. نخاف من التصريح بأن المساجد، بيوت الله تحولت إلى أماكن فقط لممارسة الطقوس ليس إلا. نخاف أن نواجه بموجة رفض ونقد وترهيب واستخدام أدوات رجعية في التعامل مع إشكالية معاصرة تعني بقيمة أكثر الفضاءات التي يجب أن تعبر عن القيم الحقيقية لدين الإسلام. لا أعتقد أن إشكالية المسجد المعاصر هي إشكالية كمية بمعنى أننا نحتاج المزيد من المساجد لأن عدد السكان يتزايد مما يتطلب بناء مزيد من المساجد في نطاق أحياء وقرى ومدن المجتمعات الشرق أوسطية.

 

لماذا لا يكون المسجد البديل مكانا لاحتساء القهوة والحوار والنقاش؟ ألا يمكن أن يجيب هذا عن تساؤل بارز وهو لماذا يذهب الشباب للمقاهي ولا يذهبون للمساجد؟

بل أننا في حالات كثيرة جدا مثل مدن الخليج ومدن دول شمال إفريقيا نجد أن مساحة المساجد المتاحة تتلاءم مع عدد السكان وأحيانا بعضها خالي وبعضها مغلق بسبب كثرتها أو سوء توزيعها الجغرافي. نحن نرصد بوضوح حالات من المساجد التي لا يصل مستخدميها إلى عشر قدرتها الاستيعابية بينما يحيط بها مجموعة أخرى من المساجد، ويشتركون جميعا في وجود حفنة من المصلين في كل منها ثم ينصرفون مع نهاية الصلاة.

 

كتبت سابقا عن تطور إهمالنا لقيمة فضاء أو مكان الصلاة في البيئة الإنسانية والروحانية والمعمارية والعمرانية في الشرق الأوسط ليتفشى هذا الإهمال في البيئة المبنية حولنا. على سبيل المثال نلاحظ أن الكثير من المباني الإدارية أما أن تحول حجرة مهجورة إلى ما يسمى غرفة الصلاة، وهي غالبا المخزن المجاور لدورات المياه. واستمرارية إهمال فعل الصلاة ودفعه إلى المناطق الهامشية، البدرومات والطرقات والحجرات المظلمة حتى في المجمعات التجارية (المولات) بما تتناقض مع قيمة الفعل الروحاني بل وقيمة الإسلام كله.

أعتقد أن مشكلة أو بالأحرى إشكالية المساجد المعاصرة في السياق الشرق أوسطي ذات طبيعة نوعية وتتطلب مستويات فارقة من الجرأة لإنتاج المسجد البديل. إن جزء فارق من عبقرية الإسلام في حثه المستمر على البعد الجماعي فنحن نصلي معا ونصوم معا ونحج معا لأن وجود المجتمع بكل طوائفه ومراتبه هو تجسيد عميق لمعاني الإسلام السامية وهو دعوة متكررة لفهم المساواة بين الناس. من هنا يبدو أننا بكل الحاجة إلى مساجد بديلة وأن نقول بكل الجرأة والشجاعة لا لكل المساجد التي تتحول إلى غرف مغلقة.

 

إذن نحن نريد مساجد بديلة مختلفة، فما هي ملامح المسجد البديل؟ أهم تلك الملامح هو أن المسجد المعاصر يجب أن يصاغ كسياق مفعم بالحيوية والنشاط الدائم والكامل والمستمر على مدار الأربع والعشرين ساعة. كما أن هذا المستوى من الحيوية في المسجد لا يجب بل يستحيل أن نعتقد أن أداء صلوات الفروض الخمس سيحققه. هنا نتبين قضية مهمة للغاية وهي أننا مدعوون للخروج عن سياق البرنامج الوظيفي النمطي للمسجد والذي توارثناه منذ فجر الإسلام ولم نتمكن أبدا من التوقف والتساؤل:

 

هل يمكن أن نفعل أي شيء أخر في فضاءات المسجد المغلقة والمفتوحة غير الصلاة وتحفيظ القرآن؟ هل ممكن أن ندمج أنشطة أخرى في برنامج المساجد الوظيفي تحول تلك المساجد الجامدة حقيقية إلى بيوت الله؟ هل ممكن أن نبدع ونبتكر فيما يمكن أن يتم داخل وحول المسجد لنجعله مقصد ومكان مستقطب للأجيال المختلفة؟ هل يمكن أن نجعل المسجد مقصد؟ هل ممكن أن نجعل الشباب والأجيال الجديدة يحبون المسجد وينتمون له لأنه يساعدهم على التواصل والإبداع؟

إن البرنامج الوظيفي النمطي للمساجد يتكون من قاعة رئيسية للصلاة وأحيانا مكان إضافي للنساء ثم بعض الخدمات المطلوبة مثل مكان الوضوء ودورات المياه وغيرها. بعض المساجد قد تزيد بإضافة مكان لتحفيظ القرآن أو قاعة للدروس الدينية إذا نجحت في الإفلات من السلطات الأمنية التي أصبحت تنظر بكل الريبة لما هو بعد ممارسة الطقوس. ولذلك يبرز هنا في طرح المسجد البديل أن يكون متمايزا ومغايرا في عناصره ومكوناته ليكون حيزا مثيرا، جاذبا، قادرا على أن يستقطب كل أطياف المجتمع ويخلق روح إيجابية ومستويات جديدة من الانتماء المكاني.

 

يجب أن يكون لدينا فهم جديد للمسجد ودوره في المجتمع وملامح مكوناته حتى تتحول المساجد المعاصرة لبيوت الله التي تسعد من يتردد عليها ليس فقط بسبب طقوس الصلاة المحدودة بزمانها ولكن بسبب كل القيم والمعاني التي نستشعرها به
يجب أن يكون لدينا فهم جديد للمسجد ودوره في المجتمع وملامح مكوناته حتى تتحول المساجد المعاصرة لبيوت الله التي تسعد من يتردد عليها ليس فقط بسبب طقوس الصلاة المحدودة بزمانها ولكن بسبب كل القيم والمعاني التي نستشعرها به
 

لا اظن أنني أتمادى عندما أتسأل لماذا لا يكون المسجد البديل مكانا لاحتساء القهوة والحوار والنقاش؟ ألا يمكن أن يجيب هذا عن تساؤل بارز وهو لماذا يذهب الشباب للمقاهي ولا يذهبون للمساجد؟ لماذا لا يكون المسجد مرتبطا بصورة ذهنية وبصرية جديدة تجعله ملتقى جميل تتطلع إليه القلوب والأرواح والعقول؟ لماذا لا يكون المسجد البديل به حيز للأطفال يمرحون ويلعبون ويقتربون من الدين والعبادة بصورة سلسة وانسيابية؟ لماذا لا يكون المسجد ملتقى للأمهات والأباء والعائلات ومكانا لقضاء نزهة جميلة في حديقته؟ لماذا لا يكون مكانا لتناول الطعام بصورة راقية وحضارية وفي سياق جماعي إنساني؟ لماذا لا يكون المسجد في حديقة والحديقة في مسجد بكل ما تعنيه الجملة من تداخل عضوي عميق؟

يجوز جدا بل ومقبول جدا وعقلاني جدا أن ينتفض البعض قائلين: وهل يجوز أن ندنس حرمة المساجد بالنشاط والشباب والقهوة والطعام والحديقة والاحتفاليات وكل ما يقترح هنا من بدع ونحن نعلم أن كل بدعة ضلالة! والواقع ومع تقديري لمنطق ووجاهة السؤال ومحتواه العاطفي النبيل والغيرة الواضحة على الدين الإسلامي، إلا أنني أجيب بتساؤل أخر: ألا يقلقكم بل ويحزنكم أن تتحول المساجد إلى غرف كبيرة ومغلقة ومنفصلة عن المجتمع والحياة؟ غرف كبيرة يشغلها عدد محدود من الأفراد في عدد محدود من الاوقات. أليس هذا الحال أكثر مدعاة للقلق الشديد على المجتمع وعلى الإنسان العربي الشرق أوسطي بل وعلى الإسلام.

أعتقد ومع كل ما يحدث للإسلام في حقبتنا المعاصرة، وتشويه صورته والتقليل من قيمة المنتسبين لعقيدته، أن الوقت أصبح ملائماً لثورة مكانية على أحيزة الصلاة. أنني أعتقد أن الهدف الرئيس من مقالي أن ندعو لحقبة جديدة في تصميم وتخطيط مباني وفضاءات المساجد في الشرق الأوسط. هذه الحقبة يجب أن تتبلور من خلال نقاش مجتمعي إنساني يضم قطاعات المجتمع المختلفة ويضم الشباب والأطفال والمخططين والمعماريين والمتفقهين في الدين وعلماء الاجتماع وخبراء التسويق والترفيه للوصول إلى قبول وفهم جديد للمسجد ودوره في المجتمع وملامح مكوناته ولغة عمارته وعمرانه حتى تتحول المساجد المعاصرة إلى بيوت الله التي تسعد من يتردد عليها ليس فقط بسبب طقوس الصلاة المحدودة في زمانها ولكن بسبب كل القيم والمعاني والأفكار والتجارب التي يخوضها الإنسان ويستشعرها لأنه في فضاء المسجد البديل المعاصر النابض بالحياة والمحب للحياة والمقبل على الحياة والذي يرفع شعار أن حب الحياة هو سبيل مثالي للاستعداد لما بعد الحياة.