مولد النبي.. موسم حضاري للبشر كافة

مدونات - المسجد النبوي 2

لم يتمكن المصلحون في الجزيرة العربية من استئصال الشر أو إحداث تغيير على سلوك البدوي الذي يفتخر بالحرب ويرفض السلم، حتى جاء مولد مُخّلص العرب مما هم فيه من تخلف وظلم وجور، ليملأ الأرجاء أمناً وسلاماً ورخاءً امتد لـ 63 عاماً فترة حياة النبي الخاتم. ذلك عهد جديد تمكنت البشرية خلالها من فهم طبيعة الحياة والاستفادة من كل ما أنعم الله به على البشر من خيرات وطيبات كثيرة وأولها الأمن والسلام. علَّم النبي الأميّ العالم بأسره معاني الحياة السعيدة، لم يدع لتقطيع الناس بالمناشير الحادة، ولم يقذف الناس بالحمم أو البراميل المتفجرة، ولم يُحارب العقول بالِحجر عليها دون أن تفكر.

لم يقدس الأشخاص مانحاً لكل البشر حق المساواة بالمقارنة مع النظير، وحق التفوق مع الأقران أمام الله تعالى بالتقوى. كما منح المجتهدون نصيباً في الدنيا، لم يبن مملكةً من الظلم والجور واحتكار الحقائق بل أطلق الحق في امتلاك المعرفة للناس جميعاً. نشر العدالة ناصعةً بيضاء بين الناس، واستخدم الحب كسلاح يمتد به إلى قلوب المجرمين فينتزع منهم البغضاء والكراهية، ويُضيف إلى مجرى الحياة في دمائهم حب الأوطان والإنسان والحياة. أخرج الظلم من النفوس وأذاب معالم المعركة بين الجنس البشري فلم يجد أحدهم أي سبب للقتال أو الكراهية أو العداء، بل تفوقوا في نشر التسامح والمحبة والأخوة.

تلك أمةٌ خلت لها أيام فاضلة امتدت لـ 63 عاماً، لا تُقارن تلك المدة بغيرها من أعوام الحياة كاملة، فذاك المولد فاض على الناس خيراً جعل النور ينطلق من مكان خروج طفل جديد سماه الله محمد، وأودع في كل حليب يتلقاه ذاك الطفل بركةً تمتد لينتفع منه سائر أطفال العالمين. تلك ولادة جديدة لم يسبق للبشرية أن حملت أنثى مثل ذاك الطفل أو وضعت شبيهاً له، بل أن كل مواصفات الميلاد اختلفت مع تلك المرحلة العمرية من الحقبة الزمنية. وجدت البشرية في ذلك المولد حياة جديدة تنتهي فيها الشرور والآثام وتبدأ في ترسيخ العدالة والمساوة بين الناس، فوجد أسود البشرة الحبشي تكاملاً مع أصفر الشعر وأبيض البشرة الفارسي صاحب العراقة والحضارة.

ربما لم يبق لنا كعرب سوى توحيد الله ولكننا في مناهج متعددة وكأننا أمة داخل طوفان لا يحكمنا نظام ولا تسيرنا حضارة إلا حركة الرياح وعنف الحادثة.

تعاون النبي مع كافة ألوان البشر في طريق الرفعة والتقدم والنهضة والسمو لترسل الأمة الجديدة بعد عدة أعوام يدها بالسلام لكافة الأمم، محققة الأمن لكل إنسان. توسعت آفاق المعرفة وامتدت معالم الحضارة وخاطبت الرسالة الجديدة كافة الحضارات القائمة، والتي كان منها: المسيحية، واليهودية، والمجوسية وأهل الأوثان، داعياً الجميع إلى كلمة واحدة ترتقي بها البشرية وتتصالح بها مع أصل العقيدة القائمة على التوحيد. لم يحمل النبي شعار (إما معنا أو علينا) بل مارس منح البشر حق الاقتناع بالدين الذي يريدون الذهاب إليه ومن واجب المسلمين دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

تتابعت ذكريات ميلاد النبي على الأجيال اللاحقة متخذةً منها مناسبةً للاحتفال فتعج المساجد بالمحتفلين، وتتوحد خطب الجمعة عن تلك الذكرى الجميلة، ويبقى الواقع أسيراً لعقلية البشر المعزولة عن تعاليم السماء. فهناك بلاد عربية ما زالت تؤمن بالإيمان الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولكنها ترفض اتباع السلوك النبوي الشريف واختارت أن تعيش في ضنك الحرب بين المعتقد والسلوك. من يخالط الأمة العربية اليوم يدرك بُعدهم الكبير عن الاقتداء بمنهج النبي الكريم، كمن لديه كنز ولكنه أعمى لا يراه، أو مشلول لا يمكنه معرفة أهميته عن طريق اللمس.

يكفينا أن نشارك المحتفلين في مولد النبي لنرى التمييز العنصري في أكبر أمثلته، إضافةً إلى الكذب والنميمة وسوء الخلق وكل ما حاول النبي انتزاعه من سلوكيات الناس. ربما لم يبق لنا كعرب سوى توحيد الله ولكننا في مناهج متعددة وكأننا أمة داخل طوفان لا يحكمنا نظام ولا تسيرنا حضارة إلا حركة الرياح وعنف الحادثة. ولكن، مما يدعو للفخر أن كثيراً من غير العرب يسلكون المنهج النبوي الشريف كالصدق في القول والأمانة في المعاملة وحسن الجوار والنظام وغيرها، مما دعا إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

لعل ذلك يعود إلى ذكائهم في تحقيق الهدف ذاته الذي دعت إليه الرسالة السماوية والمتمثل في نهضة الإنسان على سطح هذه الأرض، دون أن يحققوا الجانب الاعتقادي والمتمثل بالتوحيد. وبالمقابل هناك ما يدعو للحزن وهو أن من آمن بالتوحيد تجده الآن يمارس الكذب والخداع ويستقوي بالدين لتبرير الجرائم وأعتقد أن من وصل إلى الحضارة سيصل إلى التوحيد يوماً ما، وإن بقي على عقيدته فتلك حريته الشخصية يحاسبه الله تعالى عليها. تلك حالة مؤسفة أن تتصارع مع ذاتك فأمة فيها المادة العلمية كاملة وهي الإيمان ولديها معلم مرسل وهو النبي ثم تفشل في صناعة حضارة وتنشغل في توافه الأحداث، لا أعتقد أن هذا الحال سيطول فالأمة المريضة كالجسد المصاب إمّا أن يتماثل للشفاء وإما أن يموت.

مولد نبوي مبارك كان كسحابة شتاء ماطرة احتاجت لها البشرية في زمن القحط الحضاري فتنزلت على الأرض وأسقت البشر وتركتهم ينتفعون بخيرها حتى عصرنا الحاضر، ومع ابتعاد موسم الشتاء الحضاري عن عالمنا فإنَّ موسم الجفاف قد بدأ وآن للناس أن يستسقوا الحضارة والنمو من التراث الذي تركته تلك الغيمة المباركة على الأرض المقدسة دون أن يتركوها وكأنها غيمة مارة لم تترك أثراً.