هل يكون الحُب هشّاً إن هزّه الاختلاف؟!

يجزعني الاختلاف الكبير بين شخصين تجمعهما علاقة واحدة، أن يكونا من عالمين بعيدين جُل البعد عن أن تجد فيهما أي تشابه يُذكر، ويلتقيان في أمرٍ واحدٍ أو اثنين، شعور يجمعهما أو طيبة تخرج من قلبيهما، ورغم ما في الأمر من جاذبية تجعلهما يعيشان حُلو العلاقة بفرط الشعور، إلا أن السؤال يظل مطروحا حول ما إن كانت مشاعرهما القويّة كافية لتسدّ الفجوة التي خلقها الاختلاف بين عالمهما، تلك التي وُجدت قبل أن يُخلقا أصلاً!

رُبّما في مرحلة الإعجاب قد يُفكّر المرء بمثل هذه المعضلة، وستهدأ الأفكار رويداً رويداً كُلّما علت شعلت الحُب أكثر، وربما ستنام طويلاً بعد أن يصيبها الدفء بالخمول والكسل، لكن لاحقا سيتوجب عليهما أن يتنازلا عن أمور كثيرة مرّة هي ومرّة هو كي تظلّ العلاقة قوية كما بدأت، وهذا الأمر سيتطلب منهما أن يصقلا من ذاتيهما شخصين جديدين يتوافقان مع متطلبات المرحلة الجديدة، ورغم أن الأمر صعب إلا أنه ليس مستحيلا، فالإنسان بطبعه قابل للتطوّر ومعجون بالمتغيرات، خاصة وأنّ الثوابت قليلة تكاد لا تُرى بالعين المجرّدة.. ومن يدري قد يكون التغيير إيجابياً أحياناً، إن سيّره الواحد منا بطريقة تعود عليه بالنفع، فمن منّا بقي مراهقا في الثلاثين، ومن ظلّ طفلا وهو يُرتّب مشاهد طفولة ابنه الأول حتى تأخذ حيّزها في ذاكرته التي تنتظر المزيد من اللحظات القادمة لأطفاله الآخرين!

ومع هذا فإن الكثير من العلاقات لا تصمد أمام صدمة الاختلاف، لأسباب كثيرة تعدادها صعب وفرزها يتوقف على طرفي العلاقة.. يتهمها البعض بالهشاشة ويراقب البعض فراق صاحبيها بتروٍّ بينما يُعدّون محاوِر جلسة النميمة- عن الذي آلت إليه حالهما- بأخبارٍ متجدّدة تعادل حرارة كأس الشاي على الطاولة المستديرة، والقليلُ فقط من يرمي بوزر الفراق على كاهل الاختلاف، لكن لا أحد سيشعر بمرارة أن تكون هذه المعضلة سببا أخيراً في أن يلجأ كلاهما إلى هذا الحل الذي سيضطران فيه للبحث عن آخر يشبههما ليؤسسا معه حياة جديدة قائمة على المنطق غالباً لا الحب.

ليس سهلاً أن تكون حيادياً أمام امرء تُحبّه، يُشعرُك قُربُك المفرط منه أنكما واحدٌ لدرجة تشعر أنه إن ارتكب خطيئة بحق نفسه، كأنّك ارتكبتها بحقّك، تماما كشعورك في الفرح الذي يرفعك عاليا إن دغدغ قلبه

لكن، إن كان واحدنا قد أحبّ الآخر كما هو عليه، فبأي حقٍّ سيكون منصفا أن يطلب منه التغيير أو يفرضه عليه، ليصبح ملائما لمعايير المجتمع وصورته الثابتة حول المثاليّة التي تُرضي الغير أكثر مما ترضي أصحاب الشأن؟ أما أنا فإن عاد إليّ الأمر فإن لساني وقلبي يستثقلان طلب التغيير في أمرٍ لا يقتنع فيه الطرف الآخر، كما يؤرقني تماما أن يُطلب منّي تغيير شيء في نفسي لا أجدُ فيه معضلة تتسبّب لي بأذى وخسارة أنا في غنى عنها، أو تؤذي الغير بشكل مباشر مؤرقة سكينتهم، حتى وإن رأيته خاطئا! وإن فكّرت أن أفعل فإنني أبحث أولاً عن مُبرّر أستند عليه في طلبي، وعليه أن يكون ناجما عن خوفي عليه، خوفٌ لا يمكنني لجمه إلا بأن يمتنع الشخص عن عادةٍ تضرّه، أو يُغير في نفسه صفة تؤذيه وتهزّ صورته أمام نفسه أولا قبل غيره، وغير هذا فإنني أكتفي بأن أقول أن الأمر لا يروق لي وكُلّ امرء حُرّ بما يخصّه.

ومع هذا فليس سهلاً أن تكون حيادياً أمام امرء تُحبّه، يُشعرُك قُربُك المفرط منه أنكما واحدٌ لدرجة تشعر أنه إن ارتكب خطيئة بحق نفسه، كأنّك ارتكبتها بحقّك، تماما كشعورك في الفرح الذي يرفعك عاليا إن دغدغ قلبه، ولذا يلجأ الواحد في العلاقة غالبا طلب التغيير من ثانيها.. يتقبّل البعض ويرفض الأكثرية، وتهتزّ العلاقات حينها على أرجوحة الوقت، ولا يسقطها أطرافها إلا إن كانت حبالها هشّة.

أما إن كان المجتمع المحيط بهما والبيئة التي نشأ فيها كُل واحد منها.. هي السبب وراء طلب التغيير، فإن الحبال ستصبح أكثر هشاشة مع الوقت، أعني أنها بالفعل هشّة والحب في هذه العلاقة ثانوي، فلا يُعوّل عليه باستمرارها كما قد يكون باديا أمام الغير، رُبّما لأن الحب يعني أن تكون مقتنعا تماما بكل ما في الآخر وأن تحاول تقويم عيوبه التي ستفقده ما لا ترضاه عليه، فإن حاولت تغييره كي يليق بك، ستخسرُ تباعاً أحقّيتك في أن يظلّ طويلاً لك.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة