هل العنف الجسدي هو الحل الأمثل للتربية؟!

ظاهرة العنف في الوطن العربي، كبيرة ومستشرية بصور مختلفة، تهم الكثير من الجوانب، مثلا العنف الديني، العنف الزوجي، بل والأمر ربما هو العنف السياسي، الذي يمارس من خلال شتى الوسائل والأجهزة التي يديرها الحاكم، كما لا ننسى ذاك العنف الذي يمارسه المجتمع بكل عاداته وتقاليده على أفراده، وهناك عنف آخر وهو العنف التربوي، كل ذلك يجعلنا نتساءل، من أين بالضبط يا ترى ورثنا كل هذا العنف وما مدى تأثيره علينا؟

يصعب الوقوف مع جميع تمظهرات كل صور ذاك العنف، في تدوينة قصيرة، هناك كما نعلم دراسات بل ومشاريع فكرية، همها الوحيد هو البحث في هذا الجانب، من خلال إيجاد جذور له واستئصاله منها، لك ربما مع ذلك لم تستطع الوقوف على منبع الإشكال، حتى تجد له حلا ناجعا، لكن لنقف وقفة بسيطة، مع جانب مهم، نعايشه يوميا، حتى أضحى الكثيرون يعتقدون أنه أصبح مسلمة لا يجوز المساس بها أو التشكيك فيها، إنه العنف التربوي.

من أين يا ترى استمد ممارسوه المشروعية في ممارسته؟ هل هي مجرد تقاليد ورثوها، أم تر أن المسألة أعمق من ذلك، وأن لها علاقة بالبيئة التي يعيشون فيها؟ إذا كنت في الوطن العربي، أعتقد أنه لا يمر يوم دون أن تلاحظ مشهدا اعتدنا على رؤيته، دون أن يثير في نفوسنا أي حس بالاشمئزاز منه، طفل يحاول أن يقوم بسلوك ما، فتسارع أمه فورا إلى لكمه أو قرصه، إن كانت ربما رفيقة به ستخبره لم، أما معظمهن لا تهتم لمشاعره، المهم في اعتقادها أنها تؤذبه وتزجره على فعله ذاك، الطفل بدوره سيبكي قليلا وبعدها سينسى ويسكت، وما دام أنه لم يعرف لم حتى ضرب لا شك أنه سيعود لنفس الخطأ.

تحتار عندما تدرك أن العلاقة التي تربط الأبوان بأبنائهم هي قائمة على الرحمة، لكنهما مع ذلك في ثورة غضبها يمحي كل شيء من أمامهما ليبقى الخيار الوحيد لهما للتربية هو الضرب

علاقة العنف الجسدي بالتربية، هل فعلا الضرب يربي كما يعتقد الكثير من أمهات وآباء الوطن العربي، بدون شك لا يمكننا الحسم في هذا الأمر، لكن طبعا هذا أمر ينفيه علم النفس نفيا باتا، حيث يؤكد أن لا علاقة للعنف بالتربية، ويحث على استعمال السلوك البديل في التربية، السلوك الذي يروم الزجر النفسي، بدل العنف الجسدي.

أعتقد أن هذا أمر مؤكد ومشاهد، حتى بدون الرجوع إلى هذه الأبحاث، لا شك أن كل واحد فينا يملك من تجاربه الشخصية في الحياة الشيء الكثير في هذا المجال، كما أنه سيستنتج ولا شك أن العنف الزجري كانت له نتائج كارثية، أعرف الكثير من القصص التي عايشتها في طفولتي، عرفت الكثير من الأطفال بل وحتى الراشدين، كان سبب تركهم لدراستهم، هو تعنيف آبائهم أو أساتذتهم لهم، تحملوا الكثير وعندما لم يعد في مقدورهم التحمل كان الحل هو الانفجار في وجه معنفيهم، ومن لم يستطع منهم فعل ذلك كان الحل الأمثل بالنسبة له هو الهروب وترك كل شيء.

حاولت البحث كثيرا عن مصدر هذا الاعتقاد، لكن بدون جدوى، الأبحاث النفسية تخبرنا بأن هذه المعتقدات هي موروثة، وحتى لا نبالغ فالمجتمعات الأخرى بدورها كانت تعيش نفس الإشكال، لكن عن طريق الوعي الفردي ومن ثم الوعي الجمعوي توقفوا عن فعل ذلك، لكن قبل أن يصبح هذا الوعي بفضل تطور الأبحاث في مجال التربية والتعليم، كانوا يعانون نفس المشكل مثلنا، وربما هذا الأمر يجعلنا نطرح نفس السؤال: من أين اكتسبوا هذا السلوك العنيف، هل هي الطبيعة من علمتهم ذلك مثلا؟

تحتار عندما تدرك أن العلاقة التي تربط الأبوان بأبنائهم هي قائمة على الرحمة، لكنهما مع ذلك في ثورة غضبها يمحي كل شيء من أمامهما ليبقى الخيار الوحيد لهما للتربية هو الضرب، إنه عقيدة مترسخة في أذهان الكثيرين، لا أعرف كيف تلقوها ولا كيف اقتنعوا بها، ربما اليوم أصبحت محدودة، على الأقل المؤسسات التعليمية تجرم ذلك، ومع ذلك الكثير من الأطر يصرون على فعل مهنتهم المفضلة، وهي "العصى لمن عصا" لكن هذا لا يعني أن السلوك قد اختفى من الحياة اليومية، إذا ما تفتأ تصادف امرأة أو أبا وهو يعنف ابنه.

أعرف الكثير الكثير ممن كان الضرب والزجر سببا في تخليهم عن دراستهم، بل بعضهم كانوا متميزين ولا أعرف كيف كان سيكون مستقبلهم، لكن بسبب العنف الذي تعرضوا له لم يستطيعوا الصبر
 

الضرب لا يربي، قناعة أومن بها، بل هو على العكس من ذلك، أما إذا كان يمارس بشكل مفرط، فإنه ولا شك سيكون له تأثير سلبي سيئ، قد يكون سببا في جعل طفلك يخضع لك في اللحظة الراهنة، لكن يجب أن تتيقن أن هذا الأمر لن يغير شيئا من معتقداته عما يقوم به، مهما كانت خطورة سوئه، لذلك الحل الأمثل هو أن تروم وسيلة الحوار والإقناع لا الضرب والزجر، تأكد أنك إذا استطعت أن تخلق لدى ابنك ضميرا واعيا، فإنه ما يلبث أن يزجره كلما هم بفعل شيء غير مرغوب فيه، حتى وإن كان غائبا عنك، لكن إذا أنت ضربته، فتأكد أنه عند أول فرصة تتاح له سيقوم بذلك الفعل الذي عُنف من أجله، حتى ولو كان من باب الانتقام.

أما عن أضرار العنف الجسدي، فلا أستطيع حصره هنا، هناك مشاهد في حياتي تأبى الامحاء، كما ذكرت أعرف الكثير الكثير ممن كان الضرب والزجر سببا في تخليهم عن دراستهم، بل بعضهم كانوا متميزين ولا أعرف كيف كان سيكون مستقبلهم، لكن بسبب العنف الذي تعرضوا له لم يستطيعوا الصبر، ففضلوا تجرع الجهل طول حياتهم، أم عمن كان الضرب سببا في إصابته بمرض معد، أو بعاهة طوال حياته، فهناك القصص الكثيرة، خاصة لأولئك الذين درسوا في الكتاب القرآني، الذي يعد الضرب فيه أحد المسلمات الأساسية ليسهل على الطالب حفظ القرآن الكريم!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة